الصفحة 54 من 56

فالإمام يعتبر أبا الزبير من الثقات، فما دام شعبة قد تكلم في أبي الزبير، وترك روايته لأحاديثه، فالبخاري ايضًا-لا يورد شيئًا له في كتابه إلا مقترنًا بغيره، أو ما ثبت عنده أصل الحديث.

وقد قال الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي (457 هـ) في فوائد الخيال (ل 6) ما نصه: ولم يخرج محمد بن إسماعيل البخاري لأبي الزبير في الصحيح شيئًا لأن أبا الزبير تكلم فيه شعبة، وقال: رأيته يتزن لنفسه فاسترجح (وردت فاسترجع) فترك حديثه لأجل هذا ولم يحدث عنه إلا حديثًا واحدًا، فتركه البخاري متابعة لشعبة، غير أن أبا الزبير حديثه مشهور صحيح، وهو حافظ متقن [1] .

والذي يؤكد مل قاله النخشبي إن الإمام البخاري روى الحديث الذي رواه شعبة من طريقه، ولكنه أورده معلقًا ليشير بذلك لما قاله فيه شعبة.

هذا وقد قمت بجمع ما لأبي الزبير عن جابر-رضي الله عنه-في مسند الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-فزادت عن خمسين وأربعمائة حديث، وفي كثير منها تصريح أبي الزبير لسماعه عن جابر-رضي الله عنه-ولذا عزمت أخرج هذه الأحاديث من مسند الإمام أحمد وأذكر من خرجها من باقي الأئمة، وما وجدت من الأحاديث في غير المسند ذكرته [2] .

وقد وجدت فيما جمعت أن كثيرًا من أحاديثه قد شاركه عن جابر غيره من التابعين، والكثير-منها أيضًا-قد شارك فيها جابرًا غيره من الصحابة رضوان الله عليهم-بل الكثير منها قد بلغ حد التواتر على المذهب المختار من اعتبار الحديث متواترًا إذا حث به عشرة من الصحابة ولهذا حرصت في دراستي لأحاديثه على إيراد ما أمكن من الشواهد والاعتبارات لكل حديث. وخلاصة القول في أبي الزبير-رحمه الله تعالى:

1 -أنه ثقة ثبت لا ينزل حديثه عن مرتبة الصحيح.

2 -أنه مدلس، تنزلًا عن الأئمة الكبار الذين وصفوه بالتدليس.

3 -تدليسه عن الثقات، فيقبل حديثه سواء صرح فيه بالتحديث أم لا.

4 -روايته من صحيفة سليمان اليشكري، إن كانت قبل وفاة جابر فكان بمقدوره أن يتأكد من الرواية بسؤال جابر-رضي الله عنه-عن الأحاديث التي فيها، وإن كانت بعده فمستبعدة ن لأن روايته أضعاف ما عند سليمان من حديث، وليس هناك ما يثبت روايته لها لأنها مضت إلى البصرة، ولم تمض إلى مكة المكرمة.

5 -ما نسب إليه أنه روى من صحيفة فالمقصود به هو ما كتبه من حديث جابر-رضي الله عنه-من سماعه منه.

وبناء على ذلك أرى أن يحول من الدرجة الثالثة من مراتب المدلسين التي وضعه فيها الإمام ابن حجر، إلى المرتبة الثانية، ويدل على ذلك فعل الإمام مسلم-رحمه الله-في صحيحه، حيث أعتبره من الصحيح، وأخرجه في موضع الاستدلال، وكذا الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم حيث صححوا أحاديثه، وكذا فعل الدارقطني

(1) نقله في تنبيه المسلم /42/.

(2) ولعل الله-سبحانه-ييسر لي إخراج أحاديث أبي الزبير محققة مرتبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت