الصفحة 19 من 351

الحمد لله كما عَرَّفَنا بأسمائه، وصِفاته، وأفعالِه، ولم يحجبنا عنها كسائر عِباده.

اعلم رحمني الله تعالى وإيَّاك: أنَّ أجلَّ العُلوم، وأشرفها، وأعظمها، وأرفعها على الإطلاق، هو العلم بالله تعالى بِصِفاته العُلا، وأسمائه الحسنى، وأفعالِه الهدى، إذْ إن شرفَ العِلم تابِع لِشَرف المعلوم، وأي معلوم يا عبد الله أعظم، وأجلّ، وأكمل من العلم به سبحانه، بما يستحقُّ من الكمال العلا، الذي ليس له حدٌّ ولا مُنْتَهى.

يقول محمد عبد الرؤوف المُناوي رحمه الله: « ... ولا شكّ أن أعظمَ المَدْلولات، ذات الله تعالى، وصِفاته، وأشرف العلوم، وأعلاها قَدْرًا، وأرفعها مَنارًا، وأبقاها ذُخْرًا، هو العلم الإلهي الباحث عن ذاتِه تَقَدَّسَ، وصفاته الذاتية والسلبية، والثبوتِيَّة، وما يدلُّ عليها من صنائعه، وأفعالِه» [1] .

فهو أصلُ العُلوم، فكل علمٍ تابع للعلمِ به، مفتقر في تحقيق ذاتِه إليه، فمَنْ عرفَ الله عرفَ ما سِواه، ومَنْ جهل رَبَّه فهو لِما سِواه أجهلُ، فعَلى أساس العلم الصحيح بالله، وأسمائِه، وصفاتِه، يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالِص، وتنبني مَطالِب الرسالة جميعها، فلا حياة للقلوب، ولا نعيم، ولا سُرور، ولا أمان، ولا طمأنينة إلّا بأن تعرف رَبَّها ومعبودَها وفاطرَها، ويكون أحبّ إليها مِمّا سِواه، والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنُه أن يَنالَ معرفة، ولا هِداية، وبدون اهتدائِه إلى رَبِّه لا يكون إلّا شَقِيًّا معذَّبًا، كما هو حالُ الكافرين.

كذلك فإنَّ مَن في قلبه أدنى حياة، أو محبة لِرَبِّه، وإرادة لِوجهه وشوق إلى لِقائه، فطلبُه لِهذا الباب، وحِرصه على معرفته، وازدياده من التبصر فيه، وسؤاله، واستكشافه عنه، هو أكبر مقاصدِه، وأعظم مَطالبِه، وأجلّ غاياته، فهذا هو الكَمال الذي لا كَمال للعبد بِدونه، وله خُلِقَ الخلقُ، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل، وقامت السموات والأرض ... ، وهو بِحَقٍّ أفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العُقول، وليس القلوب الصحيحة، والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فَرَحِها بالظَّفر بمعرفة الحَقِّ به [2] .

فالعلم بها أهمُّ من أن تعلم الجنَّة، والنار وما أشبه ذلك (من الغَيْبِيّات التي أخبر الله

(1) «فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النَّذير» (1/ 511) .

(2) انظر: «الفتوى الحموية الكبرى» (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت