عنها)، لأنه لا يمكن للإنسان (أن) يعبد الله تعالى وهو لا يعرف أسماءَه، ولا صفاته، كيف يَعبُدُ؟ أيعبد شيئًا مَجْهولًا [1] .
فمعرفة الله تعالى هي أصلُ العبوديات كلها، الظاهرة والباطنة، الحِسيَّة والمعنوية، والعِلميّة والعَمليَّة: من المَحَبَّة، والخوف، والرَّجاء، والتوكل، والإجلال، والتعظيم وغيرها، لأن «الإيمان بالصفات ومعرفتها، وإثبات حقائِقِها، وتعلق القلبِ بها، وشهوده لها، هو مبدأ الطريق، ووسطه، وغايتُه، وهو روحُ السالكين، وحاديهم إلى الوُصول، ومحرك عزماتهم إذا فتروا، ومثير هممهم إذا قصروا، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصِّفات» [2] ، لأن أصل المعرفة مكنونة في القلب، والقلب مَلِكُ الأركان في الأبدان، فكلُّها تابعة له، ولهذا كان القلب محلَّ نَظَر الرَّبِّ، لأن «أصل العبوديَّة هو عبودية القلب، وبحسب قوة معرفتِه بالله تعالى يكون نصيبه من وصف العبودية، وشعوره بالحَلاوة الإيمانية، وتحققه بأنواع العِبادة وارتقائه بصاحبِه في دَرَجات العُبودية إلى مَراتب المُحسنين، المقربين السابقين بالخَيْرات» [3] ، لأن لكلِّ صفة من صفات رَبِّ العالمين لها عبودية خاصَّة بها، وعلى هذا: كلَّما ازداد العبد معرفة بأوصاف الرَّبِّ، تنويعًا، وبسطًا، ومعنًى، وآثارًا، زادت عُبوديته لله تعالى وحده، وهذا غاية الغايات، ومنتهى المُرادات.
ولهذا «ينبغي أن نبحثَ عن صِفات الله تبارك وتَعالى، سواء الصِّفات التي ليس لها أسماء، والصِّفات التي تضمنتها الأسماء، فابحث، لأنَّك كلَّما ازددت معرفة بالله، وأسمائه، وصِفاته، ازددتَ يَقينًا» [4] ، وهو أعلى دَرَجات الإيمان، الذي يُوصِلك إلى أعالي الجِنان.
واعلم وفَّقَكَ الله للهدى، أن تعلُّمَ ومُدارسةَ صِفات رَبِّ الورى، والبحث والجِدَّ في تحصيلها، له لَذَّةٌ ومتعة ومنفعة، واللهِ لا يعلمها إلّا رَبُّنا جل جلاله فهي نعمة ما بعدها نعمة، وقد وصف ذلك ابن القيم رحمه الله بوصف ما أجمله، قال: «فيا له من سَفَرٍ ما أبركه، وأروحه، وأعظم ثمرته، وربحه، وأجلّ منفعته، وأحسن عاقبته، سفرٌ هو حياةُ الأرواح، ومفتاح السَّعادة،
(1) «الدرة العثيمينية بشرح فتح رَبّ البرية بتلخيص الحموية» للعلامة ابن عثيمين (61) .
(2) انظر: «مدارج السالكين» (1/ 350) ، و «مفتاح دار السعادة» (2/ 510) .
(3) «تحقيق العبودية بمعرفة الأسماء والصفات» . فوز بنت عبد اللطيف كردي (244) .
(4) «تفسير سورة المائدة» لابن عثيمين (4/ 468) .