38-وأحسن مَا نَقَلْتُ مِنَ الْحِكَايَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى , حِكَايَةً مَا نَقَلْتُ مِنَ الْحِكَايَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى , حِكَايَةً أَخْبَرَنَا بِهَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ: أنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ ، قَالَ: نا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، نا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ:"إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَبَا بَكْرٍ كَئِيبًا حَزِينًا وَمَعَهُ رَجُلانِ ، فَقُلْتُ: بِأَبِي يَا أَبَا بَكْرٍ مَالِيَ أَرَاكَ حَزِينًا كَئِيبًا ؟ قَالَ: أُمِرَ هَذَانِ أَنْ يُحَاسِبَانِي ، قَالَ: فَإِذَا صُحُفٌ يَسِيرَةٌ . قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ عُمَرَ كَئِيبًا حَزِينًا مَعَهُ رَجُلانِ ، فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَالِيَ أَرَاكَ حَزِينًا كَئِيبًا ؟ قَالَ: أُمِرَ هَذَانِ أَنْ يُحَاسِبَانِي ، قَالَ: وَإِذَا صُحُفٌ مِثْلُ حَزْوَرَةٍ . ثُمَّ رَأَيْتُ عُثْمَانَ كَئِيبًا حَزِينًا وَمَعَهُ رَجُلانِ ، فَقُلْتُ: مَالِيَ أَرَاكَ حَزِينًا كَئِيبًا ؟ قَالَ أُمِرَ هَذَانِ أَنْ يُحَاسِبَانِي ، قَالَ: وَإِذَا صُحُفٌ كَأَنَّهَا الْخَنْدَمَةُ . وَرَأَيْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَلْجَمَكَ الْعَرَقُ ، وَرَأَيْتُ صُحُفًا مِثْلَ حِرَاءَ وَقَيْسٍ . فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: فَمَا رَأَيْتَ دَنَانِيرَ مِصْرَ ؟"
وَاللَّهُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ يُدْخِلُنَا وَإِيَّاهُمْ فِي بَرَكَاتِ مَنِ اقْتَدَيْنَا وَإِيَّاهُمْ بِهِ ، إِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ .
ثُمَّ إِنِّي تَدَبَّرْتُ أَحْوَالَ الْمُنْكِرِينَ ، فَإِذَا الإِنْكَارُ حَصَلَ مِنْ قِبَلِ فِرْقَتَيْنِ: أَهْلِ جَهْلٍ وَأَهْلِ عِلْمٍ ، فَالْجَاهِلُ جَوَابُهُ الدُّعَاءُ لَهُ ، ثُمَّ إِنِّي نَظَرْتُ فِي حَالِ الْعَالِمِ ، فَإِذَا بِهِ أُتِيَ مِنْ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِالسُّنَنِ وَآدَابِ الشَّرِيعَةِ ، وَاشْتِغَالِهِ بِمَا اشْتُهِرَ الْيَوْمَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي لا يَحْتَاجُ طَالِبُهَا إِلَى التَّفَحُّصِ عَنْ أُصُولِهَا وَمَخَارِجِهَا مِنَ الشَّرْعِ ، كَالْكَلامِ وَالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَالتَّذْكِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ عُلُومٌ أَحْكَمَهَا مُتَقَدِّمُوهُمْ وَأَخْذُوهَا مِنَ الشَّرْعِ ، فَقَلَّدَ الْخَلَفُ السَّلَفَ فِي ذَلِكَ ، وَكَانَ غَرَضُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ غَرَضَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ ، وَلَوْ أَنْعَمُوا النَّظَرَ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْلاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَآدَابِهِ فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ ، لَعَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ فِي جَمِيعِ مَا يُبَايِنُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ إِنَّمَا أَخَذَهُ مَشَايِخُهُمْ مِنَ الشَّرْعِ ، إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا اسْتِنْبَاطًا كَمَا فَعَلَ مُتَقَدِّمُو سَائِرِ الْفِرَقِ.
وَلَمَّا دَخَلْتُ بَغْدَادَ فِي رِحْلَتِي الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا ، قَصَدْتُ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ ؛ لأَقْرَأَ عَلَيْهِ أَحَادِيثَ ، وَكَانَ مِنْ جَلالِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمِنَ الْمُنْكِرِينَ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ ، فَأَخَذْتُ فِي الْقِرَاءَةِ , فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ مِنْ هَؤُلاءِ الْجُهَّالِ الصُّوفِيَّةِ لَعَذَّرْتُكَ ، أَنْتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَشْتَغِلُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَسْعَى فِي طَلَبِهِ.
فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ وَأَيَّ شَيْءٍ أَنْكَرْتَ عَلَيَّ حَتَّى أَنْظُرَ ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ لَزِمْتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ تَرَكْتُهُ ، فَقَالَ: هَذِهِ الشَّوَاذِكُ الَّتِي فِي مُرَقَّعَتِكَ.
فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ هَذِهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ , تُخْبِرُ"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ جُبَّةٌ مَكْفُوفَةُ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ".
فَالإِنْكَارُ إِنَّمَا وَقَعَ أَنَّ هَذِهِ الشَّوَاذِكَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الثَّوْبِ ، وَالدِّيبَاجُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْجُبَّةِ ، فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِهَذَا أَصْلا فِي الشَّرْعِ يَجُوزُ مِثْلُهُ ، وَسَنَذْكُرُ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ مَا يَلِيقُ بِهِ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِثْلُ هَذَا الشَّيْخِ فِي عَالَمِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالصَّلاحِ وَالْوَرَعِ كَثِيرٌ ، وَكُنْتُ ذَكَرْتُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ لِبَعْضِ الْمُنْكِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالَ لِي: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَنْكَرْتَهُ فَهَلْ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ ؟ قُلْتُ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: قَوْلُهُمْ عِنْدَ الأَكْلِ وَالاجْتِمَاعِ لِلأَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: الصَّلاةُ ، وَلَيْسَ وَقْتَ صَلاةٍ.
فَقُلْتُ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُخْبِرُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ.
قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:"إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهَا".
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ , نَذْكُرُهُ وَإِسْنَادَهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا اسْتِنْبَاطٌ.
فَلَمَّا رَأَيْتُ إِنْكَارَ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ عَلِمْتُ أَنَّهُمَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ أَشَدُّ نُكْرَةً ، فَتَتَبَّعْتُ كُتُبَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَتَصَانِيفَهُمْ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ مَشَايِخِنَا صَنَّفَ فِي هَذِهِ الْمَعْنَى شَيْئًا يَلِيقُ بِهَذَا الْفَنِّ ، وَوَجَدْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيَّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ صَنَّفَ كِتَابًا وَسَمَّاهُ سُنَنَ الصُّوفِيَّةِ ، إِلا أَنَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أُشِيرُ إِلَيْهِ ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَصَنَّفْتُ هَذَا الْكِتَابَ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِصَارِ ، يَشْتَمِلُ عَلَى سُنَنِهِمُ الَّتِي يَنْفَرِدُونَ بِهَا ، وَيُنْسَبُونَ إِلَيْهَا فِي حَضَرِهِمْ وَسَفَرِهِمْ ، وَأَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ ، وَمُحَاوَرَاتِهِمْ وَأَلْفَاظِهِمْ ، وَمُعَاشَرَاتِهِمْ وَآدَابِهِمْ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتُهِرَ بِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ يَسْتَعْمِلُهُ ، إِلا أَنَّهُ بِهِمْ أَشْهَرُ وَإِلَيْهِمْ يُنْسَبُ ، فَأَتْبَعْتُهُ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ السُّنَنِ فِي مَعْنَاهُ ، وَجَعَلْتُهُ مُرَتَّبًا عَلَى فُصُولٍ أَوَّلُهَا:
وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلاةِ وَالْحِجِّ ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ شَيْءٌ يَنْفَرِدُونَ بِهِ لأَنَّهُمْ كَمَا