الصفحة 69 من 91

تَنْبِيهَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَجِئُ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كثيرٌ في كلامِهِم، وَمعَ كَثْرَتِهِ فهوَ عندَ الجمهورِ مَقْصُورٌ على السَّمَاعِ كما تُفْهِمُ عبارةُ الناظمِ. وَقال في التسهيلِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ وَفي شَرْحِهِ: وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مَقِيسًا فيما ليسَ لهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.

أيْ: فَيَجُوزُ ضَرِيبٌ بِمَعْنَى مَضْرُوبٍ، وَلا يَجُوزُ عَلِيمٌ بِمَعْنَى مَعْلُومٍ. فما نَقَلَهُ وَلَدُهُ بَدْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ إِجماعِ النُّحَاةِ على أَنَّهُ لا يَنْقَاسُ، ذَهُولٌ عَمَّا نَصَّ عَلَيْهِ وَالِدُهُ في التسهيلِ وَشَرْحُهُ مِن الخلافِ فيهِ.

الثاني: إِذا كانَ (فَعيلًا) بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَصْفًا لِمَوْصُوفٍ قَبْلَهُ اسْتَوَى فيهِ المُؤَنَّثُ وَالمُذَكَّرُ، فلا يَلْحَقُهُ التاءُ الفارقةُ غَالِبًا، نَحْوُ: رَأَيْتُ رَجُلًا قَتِيلًا، وَامْرَأَةً قَتِيلًا أيضًا،

فَإِنْ لمْ يُذْكَرْ مَوْصُوفٌ قَبْلَهُ لَحِقَتْهُ التاءُ فِرَارًا مِن اللَّبْسِ، نحوُ: رَأَيْتُ قَتِيلًا وَقَتِيلَةً. وَقَوْلِي: غَالِبًا، احْتِرَازٌ عَمَّا سُمِعَ مِنْ قولِهِ: خَصْلَةٌ دَمِيمَةٌ وَصِفَةٌ حَمِيدَةٌ.

وَأمَّا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ فَتَلْحَقُهُ التاءُ مُطْلَقًا كَظَرِيفٍ وَظَرِيفَةٍ، وَشَرِيفٍ وَشَرِيفَةٍ، وَكَرِيمٍ وَكَرِيمَةٍ، وَعَلِيمٍ وَعَلِيمَةٍ. وَلَمَّا كانَ وَزنُ مفعولٍ مَقِيسًا، وَفَعِيلٌ كثيرًا، وَبَقِيَتْ أَوْزَانٌ بِقِلَّةٍ أَشَارَ إِليها بِقَوْلِهِ:

وَاسْتَغْنَوْا بِنَحْوِ نَجًا ... وَالنِّسْيِ عَنْ وَزْنِ مَفْعُولٍ

أيْ: إِنَّهُم رُبَّمَا اسْتَغْنَوْا عَنْ وَزنِ مفعولٍ بوَزْنِ فَعَلٍ / مُحَرَّكًا أَوْ بوَزْنِ فِعْلٍ بكسرِ الفاءِ وَسكونِ العينِ، فالأَوَّلُ: كالقَنَصِ بِفَتْحِ القافِ وَالنونِ بِمَعْنَى الصَّيْدِ المَقْنُوصِ، وَالنَّقَضِ بِضَادٍ معجمةٍ بِمَعْنَى المنقوضِ، وَمثلُهُ النَّجَا بالجيمِ بِمَعْنَى المَنْجُوِّ، يُقَالُ: نَجَوْتُ الجِلْدَ عَن الشَّاةِ بِمَعْنَى سَلَخْتُهُ، فَهُوَ مَنْجُوٌّ وَنَجًا،

وَالثاني: كالذِّبْحِ بِمَعْنَى المَذْبُوحِ، وَالطِّحْنِ بِمَعْنَى المَطْحُونِ، وَمنهُ النِّسْيُ بِمَعْنَى المَنْسِيِّ، وَمنهُ: {وَكُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا} .

تَنْبِيهٌ: لمْ يَذْكُرْ نِيَابَةَ فُعْلَةٍ بِضَمِّ الفاءِ وَسكونِ العينِ عَنْ مفعولٍ، وَقدْ ذَكَرَهُ في التسهيلِ، وَذلكَ كَلُقْمَةٍ وَمُضْغَةٍ وَأُكْلَةٍ وَلُقْطَةٍ وَصُرْعَةٍ بِمَعْنَى المَلْقُومِ وَالمَمْضُوغِ وَالمَأْكُولِ وَالمَلْقُوطِ وَالمَصْرُوعِ.

وَقدْ يَرِدُ أيضًا لَفْظُ المصدرِ بِمَعْنَى المَفْعُولِ: كَاللَّفْظِ وَالصَّيْدِ وَالخَلْقِ بِمَعْنَى المَلْفُوظِ وَالمَصِيدِ وَالمَخْلُوقِ. ثُمَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:

.وَمَا عَمِلا

إِلى أنَّ ما أَتَى سَمَاعِيًّا نَائِبًا عَنْ وَزنِ مَفْعُولٍ فَهُوَ إِنَّمَا يَنُوبُ عنهُ في الدلالةِ فقطْ لا في العملِ، فلا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ نَقَضٍ بِنَاؤُهُ، وَذِبْحٍ كَبْشُهُ، كما يُقَالُ: مَنْقُوضٌ بِنَاؤُهُ وَمَذْبُوحٌ كَبْشُهُ.

تَنْبِيهٌ: ما ذَكَرَهُ الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ هوَ مَذْهُبُ الجمهورِ، وَظاهِرُ عِبَارَتِهِ شُمُولُ فَعِيلٍ وَغَيْرِهِ، وَقدْ أَجَازَهُ ابنُ عُصْفُورٍ مُطْلَقًا، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ في فَعِيلٍ لِكَثْرَتِهِ دُونَ غيرِهِ، وَقدْ يُرْشِدُ إِلى ذلكَ مُغَايَرَةُ الناظمِ في العبارةِ بِجَعْلِهِ فَعِيلًا مَعْدُولًا بهِ عَن الأصلِ وَغيرِهِ، مُسْتَغْنًى بهِ عَنْ مفعولٍ، وَلا يَتَبَادَرُ أيضًا إِلى الفَهْمِ عَوْدُ الضميرِ في قولِهِ: (وَما عَمِلا) إلاَّ إِلى نَجًا وَالنِّسْيِ.

بابُ أَبْنِيَةِ المَصَادِرِ

أيْ: مِن الثلاثيِّ وَغَيْرِهِ. وَهيَ على قِسْمَيْنِ: قِيَاسِيٍّ وَسَمَاعِيٍّ. وَقدْ بَدَأَ الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ بمصادرِ الثلاثيِّ مُجْمَلَةً: السَّمَاعِيِّ منها وَالقِيَاسِيِّ، ثمَّ بَيَّنَ القياسيَّ منها، ثمَّ عَقَدَ فَصْلًا لِمَصَادَرِ غيرِ الثلاثيِّ.

وأمَّا مَصَادِرُ الثلاثيِّ مُجْمَلَةً، فقدْ أَشَارَ إِليها بِقَوْلِهِ:

وَلِلْمَصَادِرِ أَوْزَانٌ أُبَيِّنُهَا ... فَلِلثُّلاثيِّ ما أُبْدِيهِ مُنْتَحِلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت