فهرس الكتاب
ثمَّ أَرْدَفَ الحمدَ بالصلاةِ وَالتسليمِ على النبيِّ الكريمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا بَدَأَ نَظْمَهُ بذلكَ، فَقَالَ:
ثُمَّ الصَّلاةُ وَتَسْلِيمٌ يُقَارِنُهَا ... عَلَى الرَّسُولِ الْكَرِيمِ الخَاتِمِ الرُّسُلا
أيْ: (ثمَّ) بعدَ الحمدِ للَّهِ (الصلاةُ) منهُ، وَهيَ الرحمةُ معَ التسليمِ مِنْ كلِّ آفةٍ، (على الرسولِ) منهُ إِلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، (الكريمِ) عَلَيْهِ (الخاتمِ للرُّسُلِ) ، وَهوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإِنَّهُ رسولُ ربِّ العالمينَ إِلى الناسِ أَجْمَعِينَ، وَهوَ أَكْرَمُ الخَلْقِ على اللَّهِ؛ لأنَّهُ أَتْقَاهُمْ للَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ.
(وَالكريمِ) هنا: هوَ العظيمُ المَنْزِلَةِ عندَ اللَّهِ، وَضِدُّهُ: الحَقِيرُ المهينُ، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ وَمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُهِينٍ} .
ثُمَّ أَتْبَعَ ذلكَ بالدُّعاءِ وَالثناءِ على آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعليهم أَجْمَعِينَ؛ مُكَافَأَةً لهم على ما قَلَّدُوا الخَاصَّ وَالعَامَّ مِن الإِحسانِ وَالإِنعامِ، فَقَالَ:
وَآلِهِ الْغُرِّ وَالصَّحْبِ الْكِرَامِ وَمَنْ ... إِيَّاهُمُ فِي سَبِيلِ الْمَكْرُمَاتِ تَلا
والغُرِّ: جَمْعُ الأَغَرِّ، وَهوَ السيِّدُ المُقَدَّمُ، وَغُرَّةُ كُلِّ شَيْءٍ مَقْدِمُهُ، وَهُم المُقَدَّمُونَ بالشَّرَفِ لِشَرَفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالكِرَامِ: جمعُ كريمٍ، وَهوَ هُنَا العظيمُ القَدْرِ، وَهم أَجَلُّ الناسِ قَدْرًا؛ لعِظَمِ قَدْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِيَّاهُمْ: ضَمِيرُ نَصْبٍ مُنْفَصِلٌ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِتَلا؛ أيْ: تَبِعَ، فَشَمَلَ ذلكَ التابعِينَ لهم بإِحسانٍ إِلى يومِ الدِّينِ.
وَالمَكْرُمَاتِ: جَمْعُ المَكْرُمَةِ، وَهيَ فِعْلُ الكَرَمِ.
ثمَّ لَمَّا قَدَّمَ بينَ نَجْوَاهُ هذهِ الوسيلةَ العظيمةَ قَوِيَ رَجَاؤُهُ بأنَّها مَظِنَّةُ قَبُولِ الدعاءِ، وَلأنَّ الدعاءَ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعليهم أَجْمَعِينَ مَقْبُولٌ، وَاللَّهُ أَكْرَمُ أَنْ يَرُدَّ مَا اتَّصَلَ بهما مِن الدعاءِ؛ فَلِهَذَا سَأَلَ اللَّهَ تعالى فَقَالَ:
وَأَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ أَثْوَابِ رَحْمَتِهِ ... سِتْرًا جَمِيلًا عَلَى الزَّلاَّتِ مُشْتَمِلا
والأثوابُ جَمْعُ ثَوْبٍ، وَهوَ اسْتِعَارَةٌ.
وَالسِّتْرُ بِكَسْرِ السينِ: الثوبُ يُسْتَرُ بهِ، وَبالفتحِ مَصْدَرٌ.
وَالاشتمالُ على الشيءِ: الإِحاطةُ بهِ مِنْ جميعِ جهاتِهِ، وَكأنَّهُ قَالَ: وَأَسْأَلُ اللَّهَ مغفرةً لِزَلاَّتِي؛ لأنَّ المغفرةَ هيَ السِّتْرُ.
وَهذا دعاءٌ منهُ لِمَا مَضَى مِنْ عَمَلِهِ.
ثُمَّ قَالَ لِلْمُسْتَقْبَلِ منهُ:
وَأَنْ يُيَسِّرَ لِي سَعْيًا أَكُونُ بِهِ ... مُسْتَبْشِرًا آمِنًا لا بَاسِرًا وَجِلا
والمرادُ بالسَّعْيِ: العَمَلُ الصالحُ في باقِي عُمُرِهِ؛ لأنَّهُ المُوجِبُ للاستبشارِ؛ لقولِهِ تعالى: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} ، {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} .
وَالْجَذْلانُ هوَ الفَرْحَانُ، يُقَالُ: جَذِلَ يَجْذَلُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ وَزْنًا وَمَعْنًى.
وَالوجهُ الباسرُ: هوَ الكالِحُ، وَالوَجِلُ: الخَائِفُ.
حَقَّقَ اللَّهُ ما رَجَاهُ، وَأَعَاذَهُ مِمَّا يَخْشَاهُ، وَاسْتَجَابَ دُعَاهُ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ، وَلَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِمَشَايِخِنَا في الدِّينِ، وَلسائرِ المُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.