فهرس الكتاب
وَلَمَّا كانَ لها شَبَهٌ بالمصادرِ وَالظروفِ الميميَّةِ أَلْحَقَهَا بها، وَهيَ على قِسْمَيْنِ: قِيَاسِيٍّ وَسماعِيٍّ.
وَإِلى القياسيِّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
كَمِفْعَلٍ وَكَمِفْعَالٍ وَمِفْعَلَةٍ ... مِنَ الثَّلاثِي صُغِ اسْمَ مَا بِهِ عُمِلا
أيْ: يُصَاغُ مِن الفعلِ الثلاثيِّ دونَ غيرِهِ لبناءِ اسمِ الآلةِ التي يُعْمَلُ بها ذلكَ الفعلُ الثلاثيُّ -اسمٌ مِيمِيٌّ، إِمَّا على وَزنِ مِفْعَلٍ مُذَكَّرًا، كالمِحْلَبِ وَالمِقْدَحِ وَالمِقْلَى، أَوْ مُؤَنَّثًا كالمِسْرَجَةِ وَالمِسْبَحَةِ وَالمِسْحَاةِ، أَوْ مِفْعَالٍ مُذَكَّرًا فقطْ كالمِصْبَاحِ وَالمِفْتَاحِ وَالمِسْوَاكِ.
وَإِلي الشَّاذِّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
شَذَّ الْمُدُقُّ وَمُسْعُطٌ وَمُكْحُلَةٌ ... وَمُدْهُنٌ مُنْصُلٌ وَالْآتِ مِنْ نَخَلا
أيْ: إِنَّ هذهِ الأسماءَ شَذَّتْ بالضَّمِّ، فَتُحْفَظُ وَلا يُقَاسُ عليها، فَمِنْهَا: المُدُقُّ وَهوَ الآلةُ التي يُدَقُّ بها.
وَمنها المُسْعُطُ وَهوَ الإِناءُ الذي يُجْعَلُ فيهِ السَّعُوطُ، وَالسَّعُوطُ بفتحِ السينِ: الدواءُ الذي يُصَبُّ في الأنفِ.
وَمنها: المُكْحُلَةُ وَهيَ الإِناءُ الذي يُجْعَلُ فيهِ الكُحْلُ، وَأمَّا المِكْحَلُ وَالمِكْحَالُ بِكَسْرِ الميمِ على القياسِ فهوَ المِيلِ الذي يُكْتَحَلُ بهِ.
وَمنها: المُدْهُنُ للإِناءِ الذي يُجْعَلُ منهُ الدُّهْنُ.
وَمنها: المُنْصُلُ وَهوَ مِنْ أَسْمَاءِ السيفِ.
وَمنها: المُنْخُلُ، وَهوَ ما يُنْخَلُ بهِ الدَّقِيقُ.
فهذهِ السِّتَّةُ جَاءَتْ بِضَمِّ الميمِ وَالعَيْنِ على خلافِ القياسِ.
تَنْبِيهٌ: أمَّا المُسْعُطُ وَالمُكْحُلَةُ وَالمُدْهُنُ فلمْ يُسْمَعْ فيها غيرُ الضمِّ، وَأمَّا المُدُقُّ فَسُمِعَ أَيْضًا المِدَقُّ بِكَسْرِ الميمِ على القياسِ.
وَسُمِعَ في المُنْصُلِ فَتْحُ الصادِ معَ ضمِّ الميمِ وَكذا في (المُنْخُلِ) سُمِعَ فَتْحُ الخاءِ معَ ضمِّ الميمِ.
وَزادَ في التسهيلِ (المُحْرُضَةُ) وَهيَ الإِناءُ الذي يُجْعَلُ فيهِ الحُرُضُ بِضَمَّتَيْنِ، وَهوَ الأُشْنَانُ.
وَلمْ يُذْكَرْ في الصِّحَاحِ وَالقاموسِ فيها إلاَّ الكسرُ على القياسِ.
ثمَّ إِنَّ الضمَّ في هذهِ الأدواتِ الشاذَّةِ إِنَّمَا هوَ عندَ إِطلاقِ الاسمِ عليها تَشْبِيهًا لَهَا بِأَسْمَاءِ الأعيانِ الْغَيْرِ المُشْتَقَّةِ.
وَأمَّا إِذا قُصِدَ بها الاشتقاقُ مِمَّا عُمِلَ فإِنَّهُ يَجُوزُ فيها مُرَاعَاةُ القياسِ فَتُكْسَرُ على الأصلِ؛ وَلهذا قَالَ:
وَمَنْ نَوَى عَمَلًا بِهِنَّ جَازَ لَهُ ... فِيهِنَّ كَسْرٌ وَلَمْ يَعْبَأْ بِمَنْ عَذَلا
أيْ: فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: سَعَطْتُهُ بالمِسْعَطِ، وَنَخَلْتُهُ بالمِنْخَلِ.
وَهذهِ المسألةُ مِنْ زَوَائِدِهِ على التسهيلِ.
وَقولُهُ: (وَلَمْ يَعْبَأْ) ؛ أيْ: لَمْ يُبَالِ بِمَنْ لامَهُ على ذلكَ، وَهوَ مَهْمُوزٌ هنا.
وَلَمَّا يَسَّرَ اللَّهُ لهُ تَمَامَ قَصْدِهِ حَمَدَ اللَّهَ على ذلكَ فَقَالَ:
وَقَدْ وَفَيْتُ بِمَا قَدْ رُمْتُ مُنْتَهِيًا ... وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ مَا رُمْتُهُ كَمُلا
أيْ: وَقدْ وَفَيْتُ بما قدْ وَعَدْتُ مِن النظمِ المحيطِ بالمُهِمِّ مِنْ تصريفِ الأفعالِ مُنْتَهِيًا؛ أيْ: بَالِغًا النهايةَ.
وَذلكَ نِعْمَةٌ مِن اللَّهِ تَعَالَى يَقْتَضِي الشكرَ الموجبَ للمزيدِ، فالحمدُ للَّهِ على تَمَامِ ما رُمْتُهُ؛ أيْ: قَصَدْتُهُ وَطَلَبْتُهُ، (وَكَمُلَ) مُثَلَّثُ الميمِ.