فهرس الكتاب
إِذْ لمْ يَزَالُوا يُفَرِّقُونَ بينَ ذَوَاتِ الواوِ وَذواتِ الياءِ، وَاللَّهُ أعلمُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِن المَفْعَلِ وَالمَفْعِلِ مِن الثلاثيِّ ذَكَرَ نَظِيرَهُمَا مِنْ غيرِ الثلاثيِّ فَقَالَ:
وَكَاسْمِ مَفْعُولِ غَيْرِ ذِي الثَّلاثَةِ صُغْ ... لِمَا لَهُ مَفْعَلٌ أَوْ مَفْعِلٌ جُعِلا
أيْ: إِنَّهُ يُصَاغُ مِنْ غيرِ الثلاثيِّ رُبَاعِيًّا كانَ أَوْ أكثرَ للدلالةِ على مَصْدَرِهِ الميميِّ أَوْ ظَرْفِهِ اللَّذَيْنِ صِيغَ لَهُمَا المَفْعَلُ وَالمَفْعِلُ مِن الثلاثيِّ -على وَزنِ المفعولِ مِنْ ذلكَ الفعلِ، نحوُ: أَدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا، وَأَخْرَجْتُهُ مُخْرَجًا بِضَمِّ الميمِ.
وَكذا هذا مُدْخَلُ زَيْدٍ وَمُخْرَجُهُ، أيْ مَكَانُهُ أَوْ زَمَانُهُ، وَمنهُ: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} .
وَكذا انْطَلَقَ مُنْطَلَقًا؛ أي: انْطِلاقًا، وَتَبَوَّأَ مُتَبَوَّأً، وَاسْتَخْرَجَ مُسْتَخْرَجًا، أي: اسْتِخْرَاجًا، وَهذا مُنْطَلَقُ زَيْدٍ وَمُتَبَوَّؤُهُ وَمُسْتَخْرَجُهُ؛ أيْ: مَوْضِعُهُ وَوَقْتُهُ.
فَصْلٌ في بناءِ المَفْعَلَةِ
بِفَتْحِ الميمِ وَالعينِ وَصْفًا للمكانِ للدلالةِ على الكثرةِ مِن اسمِ ما كَثُرَ فيهِ.
ولَمَّا كانَ فيهِ شَبَهٌ بالظروفِ الميمِيَّةِ أَلْحَقَهَا بها، وَلكِنَّها لا تُصَاغُ إلاَّ مِنْ أسماءِ الأعيانِ المُشْتَقَّةِ؛ وَلهذا أَفْرَدَهَا بِفَصْلٍ، وَلا تُصَاغُ إلاَّ مِن اسمٍ ثلاثيٍّ لَفْظًا وَأَصْلًا، أَوْ أَصْلًا فَقَطْ، هوَ مزيدُ الثلاثيِّ بعدَ حَذْفِ الزيادةِ، وَلهذا قَالَ:
مِنِ اسْمِ مَا كَثُرَ اسْمُ الأَرْضِ مَفْعَلَةٌ ... كَمِثْلِ مَسْبَعَةٍ وَالزَّائِدُ اخْتُزِلا
مِنْ ذِي الْمَزِيدِ كَمَفْعَاةٍ
أيْ: تُسَمَّى الأرضُ وَتُوصَفُ بوزنِ مَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ الميمِ وَالعينِ مَبْنِيًّا، ذلكَ مِن اسمِ ما كَثُرَ فيها للدلالةِ على الكثرةِ بِشَرْطِ أنْ يكونَ ذلكَ الاسمُ ثُلاثِيًّا أَصْلًا وَلَفْظًا، نحوُ: أَرْضٌ مَأْسَدَةٌ وَمَسْبَعَةٌ، مِنْ أَسَدَ وَسَبُعَ.
وَكذا إِنْ كانَ حُرُوفُهُ الأَصْلِيَّةُ ثلاثةً فقطْ أَوْ أَكْثَرَ مِن اللفظِ بحروفِ الزيادةِ، فإِنَّهُ يُبْنَى منهُ المَفْعَلَةُ بَعْدَ حذفِ الزائدِ،.
وَهوَ مَعْنَى قولِهِ: (وَالزَّائِدُ اخْتُزِلا مِنْ ذِي المَزِيدِ) ؛ أي: اقْتُطِعَ، كقولِهِم: أَرْضٌ مَفْعَاةٌ وَمَقْثَأَةٌ؛ لكثرةِ الأَفْعَى وَالقِثَّاءِ بحذفِ الهمزةِ مِنْ أَفْعَى وَتَخْفِيفِ القِثَّاءِ، وَإِنْ شِئْتَ صُغْتَ مِن اسمِ ما كَثُرَ في الأرضِ بَدَلَ المَفْعَلَةِ فِعْلًا رُبَاعِيًّا مِنْ مزيدِ الثلاثيِّ بِزِيَادَةِ همزةِ القطعِ، وَوَصَفْتَهَا باسمِ الفاعلِ منهُ، وَهوَ المُرَادُ بِقَوْلِهِ:
.. وَمُفْعِلَةٌ ... وَأَفْعَلَتْ عَنْهُمُ فِي ذَا قَدِ احْتُمِلا
أيِ: احْتُمِلَ وَنُقِلَ عنهم في الدلالةِ على الكثرةِ بدلًا عَن المَفْعَلَةِ: أَفْعَلَتْ، فهيَ مُفْعِلَةٌ بِضَمِّ الميمِ اسمُ فاعلٍ مِنْ أَفْعَلَ، نحوُ: أَعْشَبَتْ فهيَ مُعْشِبَةٌ، وَأَبْقَلَتْ فهيَ مُبْقِلَةٌ، وَأَسْبَعَتْ فهيَ مُسْبِعَةٌ، بِضَمِّ الميمِ فيها كُلِّهَا وَكَسْرِ العينِ.
وَالشَّرْطُ أيضًا أنْ يكونَ الاسمُ الذي يُصَاغُ منهُ الفِعْلُ ثُلاثِيًّا كالعُشْبِ وَالبَقْلِ.
وَلهذا قَالَ:
غَيْرُ الثُّلاثِيِّ مِنْ ذَا الْوَضْعِ مُمْتَنِعٌ ... وَرُبَّمَا جَاءَ مِنْهُ نَادِرٌ قُبِلا
أيْ: فلا يُصَاغُ المَفْعَلَةُ وَلا أَفْعَلَتْ مِنْ خُمَاسِيِّ الأصولِ كَسَفَرْجَلَ، وَلا رُبَاعِيِّ الأصولِ كَضَفْدَعَ، إلاَّ ما نَدَرَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرْضٌ مُعَقْرَبَةٌ وَمُثَعْلَبَةٌ؛ أيْ: كثيرةُ العَقْرَبِ وَالثَّعْلَبِ، حَكَاهُمَا سِيبَوَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: كما تُبْنَى المَفْعَلَةُ للدلالةِ على الكثرةِ تُبْنَى أيضًا وَصْفًا لِمَا هوَ سَبَبٌ، نحوُ: (( الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ) )الحديثَ؛ أيْ: سَبَبُ البُخْلِ وَالجُبْنِ.
فصلٌ في بِنَاءِ الآلَةِ