فهرس الكتاب
وقالَ مُلاّ عَلِيّ قَارِيّ الحَنَفِيُّ: لا يَجوزُ الاسْتِعَاذةُ بِالجِنِّ. فقدْ ذَمَّ اللهُ الكافِرِينَ علَى ذَلِكَ وذَكَرَ الآيةَ وقالَ تَعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} [الأنْعَام:128] فاسْتِمْتَاعُ الإِنْسِيِّ بِالجِنِّيِّ فِي قَضَاءِ حَوائِجِهِ وامْتِثَالِ أَوامِرِه وإِخْبَارِهِ بِشَيْءٍ مِنَ المُغَيَّبَاتِ، واسْتِمْتَاعُ الجِنِّيِّ بالإِنْسِيِّ تَعْظِيمُهُ إيَّاهُ، واسْتِعَاذَتُهُ بِهِ وخُضُوعُهُ لَهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَالَ المُصَنِّفُ: (وفِيهِ أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ يَحْصُلُ بِه مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا يَدُلُّ علَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشرْكِ) .
(7) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قَالَتْ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بَكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ) )رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيَّةُ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ شَرِيكٍ، ويُقالُ: إنَّها هِيَ الوَاهِبَةُ. وكَانتْ قَبْلُ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وكَانتْ صالِحةً فاضِلةً.
قولُه: (( أَعُوذُ بَكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ ) )شَرَعَ اللهُ لأَهْلِ الإِسْلامِ أنْ يَسْتَعِيذُوا بِهِ بَدَلًا عَمَّا يَفْعَلُه أَهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الاسْتِعَاذةِ بِالجِنِّ فَشَرَعَ اللهُ لِلمُسْلِمينَ أنْ يَتَعَوَّذُوا بأَسْمَائِه وصِفَاتِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قِيلَ: مَعْنَاهُ الكامِلاتُ التِي لا يَلْحَقُها نَقْصٌ ولا عَيْبٌ، كَما يَلْحَقُ كَلامَ البَشَرِ. وقِيلَ: مَعْنَاهُ الشافِيةُ الكافِيةُ. وقِيلَ: الكَلِمَاتُ هُنَا هِيَ القُرْآنُ. فَإنَّ اللهَ أَخْبَرَ عنْهُ بِأَنَّهُ {هُدًى وَشِفَاءٌ} [فُصِّلَتْ:44] وهَذَا الأَمْرُ علَى جِهَةِ الإِرْشَادِ إلَى ما يُدْفَعُ بِهِ الأَذَى. ولَمَّا كَانَ ذَلكَ اسْتِعَاذةً بِصِفَاتِ اللهِ تَعالَى كَانَ مِن بَابِ المَنْدُوبِ إِلَيهِ المُرَغَّبِ فِيهِ، وعَلَى هَذَا فَحَقُّ المُسْتَعِيذِ بِاللهِ تعالى أوْ بِأسْمَائِهِ وصِفَاتِه أنْ يَصْدُقَ اللهَ فِي الْتِجَائِهِ إِلَيهِ، ويَتَوَكَّلَ فِي ذلكَ عليهِ؛ ويُحْضِرَ ذلكَ فِي قَلْبِهِ؛ فمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ وَصَلَ إِلَى مُنْتَهَى طَلَبِه ومَغْفَرَةِ ذَنْبِهِ.
قالَ شيخُ الإسْلامِ: وقدْ نَصَّ الأَئِمَّةُ كَأحمدَ وغَيرِه علَى أَنَّهُ لا تَجُوزُ الاسْتِعَاذةُ بِمَخْلوقٍ. وهَذا مِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ علَى أنَّ كَلامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلوقٍ. قَالُوا: لأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِكَلِمَاتِ اللهِ وأَمَرَ بِذَلكَ، ولِهَذا نَهَى العُلَمَاءُ عَنِ التَّعَازِيمِ والتَّعاوِيذِ التِي لا يُعْرَفُ مَعْناها خَشْيَةَ أنْ يَكونَ فِيها شِرْكٌ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ: ومَنْ ذَبَحَ لِلشَّيْطَانِ ودَعَاهُ، واسْتَعَاذَ بِهِ وتَقَرَّبَ إليهِ بِما يُحِبُّ فَقَدْ عبَدَهُ، وإِنْ لمْ يُسَمِّ ذلكَ عِبادةً, ويُسَمِّيه اسْتِخْدَامًا، وصَدَقَ، هو اسْتِخْدامٌ مِنَ الشيْطَانِ لَهُ، فَيَصِيرُ مِن خَدَمِ الشَّيْطَانِ وعابِدِيهِ، وبِذلكَ يَخْدُمُهُ الشيطانُ؛ لَكِنَّ خِدْمَةَ الشَّيطانِ لَهُ لَيْسَتْ خَدْمَةَ عِبادةٍ، فَإنَّ الشيْطانَ لا يَخْضَعُ لَهُ ولا يَعْبُدُهُ كَمَا يَفْعَلُ هُوَ بِهِ.
قولُه: (( مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ) )قالَ ابْنُ القَيِّمِ: أيْ: مِن كُلِّ شرٍّ فِي أيِّ مَخْلوقٍ قَامَ بِهِ الشرُّ مِن حَيَوانٍ أوْ غَيرِه، إِنْسِيًّا كَانَ أوْ جِنِّيًّا، أوْ هَامَةً أوْ دَابَّةً، أو رِيحًا أوْ صَاعِقَةً، أوْ أيَّ نَوْعٍ كانَ مِن أَنْواعِ البَلاءِ فِي الدُّنْيَا والآَخِرَةِ.
و (ما) هَهُنَا مَوْصُولَةٌ لَيْسَ إِلَّا, ولَيْسَ المُرَادُ بِها العَمُومَ الإِطْلاقِيَّ، بَلِ المُرَادُ التَّقْيِيدِيَّ الوَصْفِيَّ، والمَعْنَى: مِن شرِّ كُلِّ مَخْلوقٍ فِيهِ شَرٌّ، لا مِن شرِّ كُلِّ مَا خَلَقَهُ اللهُ، فإنَّ الجَنَّةَ والمَلائِكَةَ والأَنْبِيَاءَ لَيْسَ فِيهِم شرٌّ، والشرُّ يُقالُ علَى شَيْئَيْنِ: عَلَى الأَلَمِ، وعلَى ما يُفْضِي إِلَيْه.