فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 339

(( لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) )رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وأحمدُ والنَّسَائِيُّ، فَإنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا كالطَّلاقِ اسْتُحِبَّ أنْ يُكَفِّرَ, ولا يَفْعَلُهُ.

(5) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (بابُ مِنَ الشِّرْكِ الاسْتِعاذَةُ بِغَيرِ اللهِ)

الاسْتِعَاذةُ: الالْتِجَاءُ والاعْتِصَامُ، ولِهَذا يُسَمَّى المُسْتَعَاذُ بِهِ: مَعاذًا ومَلْجَأً، فَالعَائِذُ بِاللهِ قدْ هَرَبَ مِمَّا يُؤْذِيهِ أوْ يُهْلِكُهُ، إلَى رَبِّه ومَالِكِهِ؛ واعْتَصَمَ بِهِ واسْتَجَارَ والْتَجَأَ إليْه؛ وهَذا تَمْثِيلٌ، وإلَّا فيما يَقُومُ بِالقَلْبِ مِنَ الالْتِجَاءِ إلَى اللهِ؛ والاعتِصامِ بِهِ، والاطِّرَاحِ بَيْنَ يَدَي الرَّبِّ، والافتِقَارِ إليْهِ؛ والتَّذَلُّلِ لهُ، أَمْرٌ لا تُحِيطُ بِهِ العِبارةُ. قالَه ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ.

وقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الاسْتِعَاذةُ هِيَ الالتِجَاءُ إلَى اللهِ والالْتِصاقُ بِجَنابِهِ مِن شَرِّ كُلِّ ذِي شرٍّ. والعِياذُ يَكونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ. واللِّياذُ لِطَلَبِ الخَيْرِ. انْتَهَى.

قُلْتُ: وهِيَ مِنَ العِباداتِ التِي أَمَرَ اللهُ تعالى عبادَه بها؛ كما قال تعالى: {وَإِماَّ يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ} [فُصِّلَتْ:36] وأمثالُ ذلك في القرآنِ كثيرٌ كقولِه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ} . و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} فَما كانَ عِبادةً للهِ فَصَرْفُهُ لِغيرِ اللهِ شِرْكٌ، فَمَن صَرَفَ شَيْئًا مِن هَذه العِباداتِ لِغيرِ اللهِ فقَدْ جَعَلَه للهِ شَرِيكًا فِي عِبادَتِه ونَازَعَ الربَّ فِي إِلَهِيَتِه كَما أنَّ مَن صَلَّى للهِ صلَّى لِغيرِه يَكُونُ عَابِدًا لِغَيرِ اللهِ، ولا فَرْقَ، كَما سَيَأْتِي تَقْرِيرُه قَرِيبًا إنْ شاءَ اللهُ.

(6) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وقولِ اللهِ تَعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6] .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: كما نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلًا عَلَى الإِنْسِ؛ لأَنَّهُمْ كانُوا يَعُوذونَ بِنا، أيْ: إذا نَزَلُوا وادِيًا أوْ مَكانًا مُوحِشًا, كَما كَانَتْ عادةُ العَرَبِ فِي جاهِلِيَّتِها يَعُوذونَ بِعَظِيمِ ذَلكَ المَكَانِ مِنَ الجَانِّ أنْ يُصِيبَهمْ شَيْءٌ بسُوءٍ, وذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِن العَرَبِ كَانَ إِذَا أَمْسَى بِوَادٍ قَفْرٍ وخَافَ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ: أَعُوذُ مِن سُفَهَاءِ قَوْمِهِ. يُرِيدُ كَبِيرَ الجِنِّ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا إِذَا هَبَطُوا وَادِيًا يَقُولُونَ: نَعُوذُ بعَظِيمِ هَذَا الوَادِي {فَزَادوهُمْ رَهَقًا} . قَالَ: زَادُوا الكُفَّارَ طُغْيَانًا. رَوَاهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمَّا رَأَتِ الجِنُّ أنَّ الإنْسَ يَعوذونَ بِهمْ مِن خَوْفِهِم مِنهمْ زَادُوهمْ رَهَقًا، أيْ: خَوْفًا وإرْهابًا وذُعْرًا، حتَّى يَبْقَوْا أَشَدَّ مِنهمْ مَخَافَةً وأَكْثَرَ تَعَوُّذًا بِهمْ ,كَمَا قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ بأَهْلِهِ فيَأْتِي الْأَرْضَ فيَنْزِلُهَا, فيَقُولُ: أَعُوذُ بسَيِّدِ هَذَا الوَادِي مِن الجِنِّ أَنْ أُضَرَّ أَو مَالِي أو وَلَدِي أو مَاشِيَتِي. قَالَ: فَإِذَا عَاذَ بِهِم مِن دُونِ اللَّهِ رَهَقَتْهُم الجِنُّ الْأَذَى عِنْدَ ذَلِكَ. وذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بسَنَدٍ إِلَى عِكْرِمَةَ نَحْوَ ذَلِكَ, انْتَهَى. وقدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ علَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ الاسْتِعَاذةُ بِغيرِ اللهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت