فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 339

وقالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ الحَنَفِيُّ فِي شَرْحِ دُرَرِ البِحَارِ: النذرُ الذِي يَنْذِرُه أَكْثَرُ العَوامِّ علَى ما هُوَ مُشَاهَدٌ، كَأنْ يَكُونَ للإِنْسَانِ غَائِبٌ أوْ مَرِيضٌ أوْ لهُ حاجَةٌ؛ فَيَأْتِي إلَى قَبْرِ بَعضِ الصُّلَحَاءِ ويَجْعَلُ علَى رَأْسِهِ سُتْرَةً، ويَقولُ: يا سَيِّدِي فُلانُ, إنْ رَدَّ اللهُ غائِبِي أوْ عُوفِيَ مَرِيضِي، أوْ قُضِيَت حَاجَتِي فَلَكَ مِنَ الذَّهَبِ كَذا، أوْ مِن الفِضَّةِ كَذا، أوْ مِن الطَّعامِ كَذَا، أوْ مِن الماءِ كَذا؛ أوْ مِنَ الشَّمْعِ والزَّيْتِ كذَا. فَهذا النذْرُ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ لِوُجُوهٍ؛ مِنها: أَنَّهُ نَذْرٌ لِمَخْلوقٍ، والنذْرُ للمَخلوقِ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ عِبادةٌ والعِبادةُ لا تَكُونُ لِمخلوقٍ، ومِنها أنَّ المَنْذُورَ لهُ مَيِّتٌ والمَيِّتُ لا يَمْلِكُ، ومِنها أَنَّهُ ظَنَّ أنَّ المَيِّتَ يَتَصَرَّفُ فِي الأُمُورِ دُونَ اللهِ، واعْتِقَادُ ذلكَ كُفْرٌ- إلَى أنْ قالَ: إِذا عَلِمْتَ هَذا فَما يُؤْخَذُ مِنَ الدَّراهِمِ والشَّمْعِ والزيتِ وغيرِها ويُنْقَلُ إلَى ضَرَائِحِ الأولِيَاءِ تَقَرُّبًا إليْها فَحَرامٌ بِإجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.

نَقَلَهُ عنْه ابْنُ نُجَيْمٍ فِي البَحرِ الرَّائِقِ، ونَقَلَهُ المُرْشِدِيُّ فِي تَذْكِرَتِه وغيرُهما عنهُ وزَادَ: وقَدِ ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَذا لا سِيَّمَا فِي مَولدِ البَدَوِيِّ.

وقالَ الشَّيْخُ صُنْعُ اللهِ الحَلَبِيُّ الحَنَفِيُّ فِي الرَّدِّ علَى مَن أَجَازَ الذَّبحَ والنذْرَ للأولِيَاءِ: فَهَذا الذَّبحُ والنذرُ إنْ كانَ علَى اسْمِ فُلانٍ فَهُوَ لِغيرِ اللهِ؛ فَيَكُونُ باطِلًا. وفي التَّنْزِيلِ: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعامِ:121] ، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ} [الأنعامِ:162 - 163] والنَّذْرُ لِغيرِ اللهِ إشْرَاكٌ مَعَ اللهِ، كالذَّبْحِ لِغيرِه.

(4) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلاَ يَعْصِهِ ) ).

قولُه: (فِي الصحِيحِ) أيْ: صحِيحِ البُخَارِيِّ.

قولُه: (عنْ عَائِشَةَ) هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ؛ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وابْنَةُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما تَزَوَّجَها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهِيَ ابْنَةُ سَبْعِ سِنينَ؛ ودَخَلَ بِها وهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ. وهِيَ أَفْقَهُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا وأَفْضَلُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا خَدِيجَةَ فَفِيها خِلافٌ. مَاتَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وخَمْسِينَ علَى الصحِيحِ.

قولُه: (( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ ) )أيْ: فَلْيَفْعَلْ ما نَذَرَهُ مِن طاعةِ اللهِ. وقدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ علَى أنَّ مَن نَذَرَ طاعةً بشَرْطٍ يَرْجُوهُ، كـ (إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ أنْ أَتْصَدَّقَ بِكَذا ونَحْوَ ذَلكَ وَجَبَ عَليهِ إنْ حَصَلَ لهُ ما عَلَّقَ نَذْرَه علَى حُصُولِه. وحُكِيَ عنْ أبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لا يَلْزَمُه الوَفاءُ إلَّا بِما جِنْسُهُ وَاجِبٌ بِأصْلِ الشَّرْعِ كالصَّوْمِ, وأمَّا ما لَيْسَ كَذلكَ كالاعْتِكَافِ فَلا يُوجِبُ عَلَيهِ الوَفاءَ بِهِ.

قولُه: (( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ ) )زَادَ الطَّحَاوِيُّ (( وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ) )وقدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِنَذْرِ المَعْصِيةِ.

قالُ الحافِظُ: اتَّفَقُوا علَى تَحْرِيمِ النذْرِ فِي المَعصيةِ، وتَنَازَعُوا: هَلْ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلكَفَّارةِ أمْ لا؟ وتَقَدَّمَ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِالحَديثِ علَى صِحَّةِ النذْرِ فِي المُبَاحِ؛ كَما هُوَ مَذْهَبُ أحمدَ وغَيرِه، يُؤَيِّدُه ما رَوَاهُ أبُو داودَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّه، وأَحمدُ والتِّرْمِذِيُّ عنْ بُرَيْدَةَ: (( أَنَّ امْرَأَةً قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، فَقالَ: أَوْفِي بِنَذْرِكِ ) )وأمَّا نذْرُ اللِّجَاجِ والغَضَبِ فَهو يَمِينٌ عندَ أحمدَ، فيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وكَفَّارةِ يَمِينٍ، لِحديثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَينٍ مَرْفُوعًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت