فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 339

(2) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وقولِه تَعَالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:7] فالآيَةُ دَلَّتْ علَى وُجوبِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ, ومَدْحِ مَن فَعَلَ ذلكَ طاعةً للهِ, ووَفَاءً بِمَا تَقَرَّبَ بِه إلَيْه.

(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وقَوْلُه: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة:270] .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى أَنَّهُ عَالِمٌ بِجميعِ ما يَعْمَلُه العَامِلُونَ مِنَ الخَيْرَاتِ، مِنَ النَّفَقَاتِ والمَنْذُوراتِ، وتَضَمَّنَ ذلكَ مُجَازَاتَه عَلَى ذَلكَ أَوْفَرَ الجَزاءِ للعامِلِينَ ابْتَغَاءَ وَجْهِهِ. انتهى.

إذا عَلِمْتَ ذلكَ؛ فهذِهِ النُّذورُ الوَاقِعةُ مِن عُبَّادِ القُبورِ، تَقَرُّبًا بِها إلَيهم لِيَقْضُوا لَهم حَوائِجَهم ولِيَشْفَعُوا لهمْ، هذا شِرْكٌ ِفي العِبادةِ بِلا رَيْبٍ. كَما قالَ تَعَالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأَنْعَام:136] .

قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وأمَّا ما نُذِرَ لغيرِ اللهِ, كالنَّذْرِ للأَصْنَامِ والشمْسِ والقَمَرِ والقُبورِ ونَحْوِ ذَلكَ، فَهُوَ بِمَنِْزلَةِ أَنْ يُحْلَفَ بِغيرِ اللهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. والحَالِفُ بالمَخْلوقاتِ لا وَفَاءَ عَلَيْه ولا كَفَّارةَ، وكَذلكَ النَّاذِرُ للمَخْلوقاتِ. فإنَّ كَلَيْهِما شِرْكٌ لَيْسَ له حُرْمَةٌ، بَلْ عليه أنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ مِن هَذا, ويَقولَ ما قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ حَلَفَ باللَّاَتِ وَالعُزَّى فَلْيَقُلْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ) ).

وقالَ فَيْمَن نَذَرَ للقُبورِ, ونحوِها دُهْنًا لِتُنَوَّرَ بهِ, ويَقولُ: إنَّها تَقْبَلُ النَّذْرَ كما يَقُولُه بعْضُ الضَّالِّينَ: وَهَذا النَّذْرُ مَعصيةٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ لا يَجُوزُ الوَفَاءُ بهِ, وكَذلكَ إِذا نَذَرَ مَالًا للسَّدَنَةِ أوِ المُجَاوِرينَ العاكِفينَ بِتِلكَ البُقْعَةِ, فإنَّ فِيهِم شَبَهًا مِنَ السَّدَنَةِ التِي كانَتْ عِنْدَ اللاتِ والعُزَّى ومَنَاةَ، يَأْكُلُونَ أمْوَالَ النَّاسِ بالباطِلِ, ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ. والمُجاوِرونَ هُنَاكَ فيهِم شَبَهٌ مِنَ الذِينَ قَالَ فيهِمُ الخَلِيلُ عليهِ السَّلامُ: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] , والذِينَ اجْتَازَ بِهم مُوسَى عليهِ السلامُ وقَوْمُهُ، قالَ تَعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ} [الأَعْرَاف:138] . فالنَّذْرُ لأُولَئِكَ السَّدَنَةِ والمُجاوِرينَ فِي هَذه البِقاعِ نَذْرُ مَعصيةٍ, وَفِيه شَبَهٌ مِنَ النذرِ لسَدَنةِ الصُّلْبَانِ والمُجَاوِرينَ عندَها، أوْ لِسَدنةِ الأَبْدَادِ التي فِي الْهِنْدِ والْمُجاوِرينَ عِندَها.

وقالَ الْأَذْرُعِيُّ فِي شَرْحِ المِنَهاجِ: وأمَّا النَّذْرُ لِلمَشَاهِدِ التِي علَى قَبْرِ وَلِيٍّ, أوْ شَيْخٍ, أوْ عَلَى اسْمِ مَنْ حَلَّها مِنَ الأَوْلِيَاءِ، أوْ تَرَدَّدَ فِي تِلكَ البُقْعَةِ مِنَ الأوْلِيَاءِ والصالِحِينَ فإنْ قَصَدَ النَّاذِرُ بِذلكَ -وهُو الْغالِبُ أوِ الوَاقِعُ مِن قُصُودِ العامَّةِ- تَعْظِيمَ البقعةَ والمَشْهَدِ، أوِ الزَّاوِيَةِ، أوْ تَعْظِيمَ مَن دُفِنَ بِها أوْ نُسِبَتْ إليْه أوْ بُنِيَتْ علَى اسْمِهِ, فَهذا النَّذْرُ باطِلٌ غَيرُ مُنْعَقِدٍ؛ فإنَّ مُعْتَقَدَهُم أنَّ لِهذهِ الأَمَاكِنِ خُصُوصِيَّاتٍ، ويَرَوْنَ أنَّها مِمَّا يُدْفَعُ بِها البَلاءُ ويُسْتَجْلَبُ بِها النَّعْمَاءُ، ويُسْتَشْفَى بالنذرِ لَها مِنَ الأَدْوَاءِ, حتَّى إنَّهمْ يَنْذِرُونَ لِبَعضِ الأَحْجَارِ لَمَّا قِيلَ: إنَّه اسْتَنَدَ إليْها عَبْدٌ صالِحٌ، ويَنْذِرونَ لِبَعضِ القُبورِ السُّرُجَ والشُّمُوعَ والزَّيْتَ، ويَقُولونَ: القَبْرُ الفُلَانِيُّ أو الْمَكَانُ الفُلَانِيُّ يَقْبَلُ النَّذْرَ. يَعْنُونَ بِذلكَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِه الغَرَضُ المَأْمُولُ مِن شِفاءِ مَرِيضٍ، أوْ قُدُومِ غائِبٍ, أوْ سَلامَةِ مَالٍ، وغَيرِ ذَلكَ مِن أنْوَاعِ نَذْرِ المُجَازاةِ، فَهذا النَّذْرُ علَى هَذا الْوَجْهِ باطِلٌ لا شَكَّ فِيهِ، بَلْ نَذْرُ الزيْتِ والشَّمْعِ ونَحْوِهما للقُبُورِ باطِلٌ مُطْلَقًا. ومِن ذلكَ نَذْرُ الشموعِ الكَثيرةِ العَظيمةِ وغيرِها لقَبْرِ الخَلِيلِ عليْهِ السَّلامُ ولِقبرِ غيرِه مِنَ الأَنْبِيَاءِ والأَوْلِيَاءِ فإنَّ الناذِرَ لا يَقْصِدُ بِذلكَ إلا الإِيقَادَ علَى القبرِ تَبَرُّكًا وتَعْظِيمًا، ظانًّا أنَّ ذَلكَ قُرْبَةٌ، فَهذا مِمَّا لا رَيْبَ فِي بُطَلانِه، والإِيقادُ المَذْكورُ مُحَرَّمٌ، سَواءٌ انْتَفَعَ بِه هُنَاكَ مُنْتَفِعٌ أمْ لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت