فهرس الكتاب
13 بابٌ
مِن الشِّركِ أنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ اللهِ أَو يَدْعُوَ غَيْرَه (1)
وقَوْلُ اللهِ تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} (2) [يونس: 106 - 107] .
(1) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (بابٌ مِن الشِّركِ أنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ اللهِ أَو يَدْعُوَ غَيْرَه)
قال شيخُ الإسلامِ: الاسْتِغاثَةُ هي طَلَبُ الغَوْثِ، وهو إِزالَةُ الشِّدَّةِ، كالاسْتَنْصارِ طَلَبُ النَّصْرِ. والاسْتِعانَةِ طَلَبُ العَوْنِ.
وقال غيرُه: الفَرْقُ بينَ الاسْتِغاثَةِ والدُّعاءِ: أنَّ الاستغاثةَ لا تَكونُ إلَّا مِن المَكْروبِ، والدُّعاءُ أَعَمُّ مِن الاستغاثةِ؛ لأَنَّهُ يَكُونُ مِن المَكْروبِ وغيرِه. فعَطْفُ الدُّعاءِ على الاستغاثةِ مِن عَطْفِ العَامِّ على الخاصِّ, فبينَهما عُمومٌ وخُصوصٌ مُطْلَقٌ، يَجْتَمِعانِ في مادَّةٍ, ويَنْفَرِدُ الدُّعاءُ عنها في مادَّةٍ؛ فكُلُّ استغاثةٍ دُعاءٌ، ولَيْسَ كُلُّ دُعاءٍ استغاثةً.
وقولُه: (أَو يَدْعُوَ غَيْرَه) اعْلَمْ أنَّ الدُّعاءَ نَوْعان: دُعاءُ عِبادةٍ، ودُعاءُ مَسْألةٍ، ويُرادُ به في القرآنِ هذا تَارَةً، وهذا تارَةً، ويُرادُ به مَجْموعُهما، فدُعاءُ المَسْألةِ هو طَلَبُ ما يَنْفَعُ الدَّاعِيَ مِن جَلْبِ نَفْعٍ أو كَشْفِ ضُرٍّ، ولهذا أَنْكَرَ اللهُ على مَن يَدْعُو أَحَدًا مِن دُونِه ممَّن لا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، كقولِه تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة:76] وقولِه: {قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:71] . وقال: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ، فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس:106] .
قال شيخُ الإسلامِ: فكُلُّ دُعاءِ عِبادةٍ مُسْتَلْزِمٌ لِدُعاءِ المَسْألةِ، وكُلُّ دُعاءِ مَسْألةٍ مُتَضَمِّنٌ لِدُعاءِ العِبادةِ، قال اللهُ تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55] ، وقال: {قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام:40 - 41] ، وقال {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجِنّ:18] ، وقال: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلاَلٍ} [الرَّعْد:14] . وأمثالُ هذا في القرآنِ في دُعاءِ المَسْألةِ أَكْثَرُ مِن أنْ يُحْصَرَ، وهو يَتَضَمَّنُ دُعاءَ العِبادةِ؛ لأنَّ السَّائِلَ أَخْلَصَ سُؤالَه للهِ، وذلك مِن أَفْضَلِ العِباداتِ، وكذلك الذَّاكِرُ للهِ والتَّالي لِكِتابِه ونحوِه، طَالِبٌ مِن اللهِ في المعنى، فَيَكُونُ دَاعِيًا عابِدًا.
فتَبَيَّنَ بهذا قولُ شيخِ الإسلامِ: إنَّ دُعاءَ العِبادةِ مُسْتَلْزِمٌ لدُعاءِ المَسْألةِ، كما أنَّ دُعاءَ المَسْألةِ مُتَضَمِّنٌ لدُعاءِ العِبادةِ، وقد قال تعالى عن خَلِيلِه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مَرْيَم:48 - 49] . فصار الدُّعاءُ مِن أَنواعِ العِبادةِ؛ فإنَّ قولَه: {وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} كقولِ زَكَرِيَّا: {إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مَرْيَم:4] . وقد أَمَرَ اللهُ تَعالَى به في مَواضِعَ مِن كِتابِه كَقَوْلِه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ