فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 339

تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأَعْرَاف:55 - 56] . وهذا هو دُعاءُ المَسْأَلةِ المُتَضَمِّنُ للعِبادةِ، فإنَّ الدَّاعِيَ يَرْغَبُ إلى المَدْعُوِّ ويَخْضَعُ له ويَتَذَلَّلُ.

وضابِطُ هذا: أنَّ كُلَّ أَمْرٍ شَرَعَه اللهُ لِعِبادِه وأَمَرَهم به فَفِعْلُه للهِ عِبادةٌ، فإذا صَرَفَ مِن تلك العِبادةِ شَيْئًا لَغيرِ اللهِ فهو مُشْرِكٌ مُصادِمٌ لِمَا بَعَثَ اللهُ به رَسُولَه مِن قولِه: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} [الزمر:14] . وسيَأْتِي لهذا مَزِيدُ بَيانٍ- إنْ شاء اللهُ تعالى.

قال شيخُ الإسلامِ في الرَّسالةِ السَّنِيَّةِ: فإذا كان على عَهْدِ النَّبيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ممَّن انْتَسَبَ إلى الإسلامِ مَن مَرَقَ مِنه مع عِبادتِه العَظِيمةِ، فَلْيُعْلَمْ أنَّ المُنْتَسِبَ إلى الإسلامِ والسُّنَّةِ في هذه الأَزْمَانِ قد يَمْرُقُ أيضًا مِن الإسلامِ لأسبابٍ, منها: الغُلُوُّ في بعضِ المَشايِخِ، بل الغُلُوُّ في عَلِيِّ بنِ أَبِي طالِبٍ، بل الغُلُوُّ في المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فكُلُّ مَن غَلا في نَبِيٍّ أو رَجُلٍ صالِحٍ، وجَعَل فيه نَوْعًا مِن الإلهيَّةِ مثلَ أن يَقولَ: يا سَيِّدِي فُلانُ , انْصُرْنِي أو أَغِثْنِي؛ أو ارْزُقْنِي، وأَنَا في حَسْبِك، ونحوَ هذه الأقْوَالِ. فكُلُّ هذا شِرْكٌ وضَلالٌ يُسْتَتَابُ صاحِبُه، فإنْ تاب وإلَّا قُتِلَ. فإنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى إنَّما أَرْسَلَ الرُّسُلَ وأَنْزَلَ الكُتُبَ ليُعْبَدَ وحْدَه لا شَرِيكَ له، ولا يُدْعَى مَعَه إلهٌ آخَرُ. والَّذِين يَدْعُون مع اللهِ آلهةً أُخْرَى، مثلَ المَسِيحِ والملائكةِ والأَصْنامِ، لم يَكُونُوا يَعْتَقِدُون أنَّها تَخْلُقُ الخَلائِقَ، أو تُنْزِلُ المَطَرَ، أو تُنْبِتُ النَّباتَ، وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَهم، أو يَعْبُدُون قُبورَهم، أو يَعْبُدُون صُورَهم. يَقولونَ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَر:3] ، {وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يُونُس:18] . فَبَعَثَ اللهُ سبحانَه رُسُلَه تَنْهَى أن يُدْعَى أَحَدٌ مِن دُونِه، لا دُعاءَ عِبادةٍ، ولا دُعاءَ اسْتغاثَةٍ. انتهى.

وقال أيضًا: مَن جَعَلَ بينَه وبينَ اللهِ وَسائِطَ يَتَوَّكَلُ عليهم ويَدْعُوهم ويَسْأَلُهم كَفَرَ إِجْماعًا.

نَقَلَه عنه صاحبُ الفُروعِ، وصاحِبُ الإِنْصافِ، وصاحِبُ الإِقْناعِ، وغيرُهم. وذَكَرَه في مَسْألةِ الوَسَائِطِ، ونَقَلْتُه عنه في الرَّدِّ على ابنِ جُرْجِيسَ.

وقال ابنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ: ومِن أَنْواعِهِ -أيِ: الشِّرْكِ- طَلَبُ الحَوَائِجِ مِن المَوْتَى، والاسْتِغَاثةُ بهم والتَّوَجُّهُ إليهم. وهذا أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِ. فإنَّ المَيِّتَ قد انْقَطَعَ عَمَلُه، وهو لا يَمْلِكُ لنفْسِه نَفْعًا ولا ضَرًّا، فَضْلًا عمَّن اسْتَغاثَ به، أو سَأَلَه أن يَشْفَعَ له إلى اللهِ، وهذا مِن جَهْلِه بالشَّافِعِ والمَشْفُوعِ عندَه، وسَيَأْتِي تَتِمَّةُ كَلامِه في بابِ الشَّفاعةِ، إن شَاءَ اللهُ تَعالَى.

وقال الحافِظُ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الهادِي، في رَدِّه على السُّبْكِيِّ في قولِه: إنَّ المُبالَغةَ في تَعْظِيمِه -أي: الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واجبةٌ:

إنْ أُرِيدَ به المُبالَغةُ بِحَسَبِ ما يَرَاه كُلُّ أَحَدٍ تَعْظِيمًا، حتَّى الحَجِّ إلى قبرِه والسُّجودِ له، والطَّوافِ به، واعْتِقَادِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، وأَنَّهُ يُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَمْلِكُ لمَن اسْتَغاثَ به مِن دونِ اللهِ الضُّرَّ والنَّفْعَ؛ وأَنَّهُ يَقْضِي حَوَائِجَ السَّائِلِين، ويُفَرِّجُ كُرُباتِ المَكْرُوبِين، وأَنَّهُ يَشْفَعُ فيمَن يَشَاءُ، ويُدْخِلُ الجَنَّةَ مَن يَشَاءُ، فدَعْوَى وُجُوبِ المُبالَغةِ في هذا التَّعْظِيمِ مُبالَغةٌ في الشِّرْكِ، وانْسِلاخٌ مِن جُمْلةِ الدِّينِ.

وفي الفَتاوَى البزَّازِيَّةِ مِن كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ: قال عُلماؤُنا: مَن قال: أَرْوَاحُ المَشايخِ حاضِرةٌ تَعْلَمُ يَكْفُرُ.

وقال الشَّيْخُ صُنْعُ اللهِ الحَلَبِيُّ الحَنَفِيُّ في كِتابِه في الرَّدِّ على مَن ادّعَى أنَّ للأَوْلِياءِ تَصَرُّفاتٍ في الحَياةِ وبعدَ المَماتِ على سَبِيلِ الكَرَامةِ: هذا وإنَّه قد ظَهَر الآن فيما بينَ المُسْلِمِين جَمَاعاتٌ يَدَّعُون أنَّ للأَوْلِياءِ تَصَرُّفاتٍ بحَياتِهم وبعدَ مَماتِهم، ويُسْتَغاثُ بهم في الشَّدائِدِ والبَلِيَّاتِ وَبِهِمَمِهِمْ تُكْشَفُ الْمَهَمَّاتُ، فيَأْتُونَ قُبُورَهم، ويُنَادُونَهم في قَضاءِ الحاجاتِ، مُسْتَدَلِّين أنَّ ذلك مِنهم كَرَاماتٌ، وقالوا: مِنهم أَبْدالٌ ونُقَباءُ، وأَوْتادٌ ونُجَباءُ، وسَبْعونَ وسَبْعةٌ، وأَرْبَعونَ وأربعةٌ، والقُطْبُ هو الغَوْثُ للنَّاسِ، وعليه المَدَارُ بلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت