فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 339

الْتِباسٍ، وجَوَّزُوا لهم الذَّبائِحَ والنُّذُورَ، وأَثْبَتُوا لهم فيهما الأُجورَ، قال: وهذا كَلامٌ فيه تَفْرِيطٌ وإِفْراطٌ، بل فيه الهَلاكُ الأَبَدِيُّ والعَذابُ السَّرْمَدِيُّ، لِمَا فيه مِن رَوَائِحِ الشِّرْكِ المُحَقَّقِ، ومُصادَمةِ الكِتابِ العَزِيزِ المُصَدَّقِ، ومُخالَفةٍ لِعَقائِدِ الأَئِمَّةِ، وما اجْتَمَعَتْ عليه الأُمَّةُ. وفي التَّنْزِيلِ: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النِّساء:115] .

ثم قال: فأمَّا قولُهم: إنَّ للأَوْلِياءِ تَصَرُّفاتٍ في حَياتِهم وبعدَ المَماتِ، فيَرُدُّه قولُه تعالى: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} [النَّحْل:64،61] ، {أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأَعْراف:54] ، {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الشُّورَى:49] ، ونحوَه مِن الآياتِ الدَّالَّةِ على أَنَّهُ المُتَفَرِّدُ بالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ والتَّقْدِيرِ، ولا شَيْءَ لِغيرِه في شَيءٍ مَا بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ. فالكُلُّ تحتَ مُلْكِه وقَهْرِه تَصَرُّفًا ومُلْكًا، وإِماتَةً وإحياءً وخَلْقًا، وتَمَدَّحَ الرَّبُّ تَبَارَك وتعالى بانْفَرادِه بمُلْكِه في آياتٍ مِن كِتابِه كقولِه تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ} [فاطِر:3] ، {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطِر:13 - 14] . وذَكَرَ آياتٍ في هذا المعنى.

ثُمَّ قال: فقولُه في الآياتِ كُلِّها: {مِن دُونِهِ} ، أي: مِن غيرِه. فإنَّه عامٌّ يَدْخُلُ فيه مَن اعْتَقَدْتَه، مِن وَلِيٍّ وشيطانٍ تَسْتَمِدُّه، فإنَّ مَن لم يَقْدِرْ على نَصْرِ نفْسِه كيف يَمُدُّ غيرَه؟ إلى أن قال: إنَّ هذا القولَ وَخِيمٌ، وشِرْكٌ عَظِيمٌ، إلى أن قال: وأمَّا القولُ بالتَّصَرُّفِ بعدَ المَماتِ فهو أَشْنَعُ وأَبْدَعُ مِن القولِ بالتَّصَرُّفِ في الحياةِ. قال جَلَّ ذِكْرُه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون} [الزُّمَر:30] ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الزُّمَر:42] ، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقةَُ المَوْتِ} [آل عِمْرانَ:185] ، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المُدَّثِّر:38] . وفي الحديثِ: (( إذا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ .. ) )الحديثَ. فجَمِيعُ ذلك وما هو نحوُه دَالٌّ على انْقِطاعِ الحِسِّ والحَرَكةِ مِن المَيِّتِ، وأنَّ أرواحَهم مُمْسَكَةٌ، وأنَّ أعمالَهم مُنْقَطِعةٌ عن زِيادةٍ أو نُقْصانٍ، فدَلَّ ذلك على أَنْ ليس لِلميِّتِ تَصَرُّفٌ في ذَاتِه فَضْلًا عن غيرِه. فإذا عَجَزَ عن حَرَكةِ نَفْسِه. فكيف يَتَصَرَّفُ في غيرِه؟ فاللهُ سبحانَه يُخْبِرُ أنَّ الأَرْواحَ عندَه، وهؤلاء المُلْحِدُون يَقُولونَ: إنَّ الأَرْواحَ مُطْلَقَةٌ مُتَصَرِّفةٌ {قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ؟ [البَقَرَة:140] .

قال: وأمَّا اعْتِقادُهم أنَّ هذه التَّصَرُّفاتِ لهم مِن الكَرَاماتِ، فهو مِن المُغالَطةِ؛ لأنَّ الكَرامةَ شيءٌ مِن عندِ اللهِ يُكْرِمُ به أَوْلِياءَه، لا قَصْدَ لهم فيه ولا تَحَدِّيَ، ولا قُدْرَةَ ولا عِلْمَ، كَمَا في قِصَّةِ مَرْيَمَ ابنةِ عِمْرانَ، وأُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ، وأَبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ.

قال: وأمَّا قولُهم فيُسْتَغاثُ بهم في الشَّدائِدِ، فهذا أَقْبَحُ ممَّا قبلَه وأَبْدَعُ؛ لمُصادَمتِه قولَه جلَّ ذِكْرُه: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} [النَّمل:62] {قُلْ مَن يُنجِيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنجِيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام:63 - 64] وذَكَر آياتٍ في هذا المعنى، ثُمَّ قال: فإنَّه جَلَّ ذِكْرُه قَرَّرَ أَنَّهُ الكاشِفُ لِلضُّرِّ لا غيرُه، وأَنَّهُ المُتَفَرِّدُ بإِجابةِ المُضْطَرِّين، وأَنَّهُ المُسْتَغاثُ لِذلك كُلِّه، وأَنَّهُ القادِرُ على دَفْعِ الضُّرِّ، القادِرُ على إِيصالِ الخَيْرِ. فهو المُنْفَرِدُ بذلك، فإذا تَعَيَّنَ هو جَلَّ ذِكْرُهُ خَرَجَ غيرُه مِن مَلَكٍ ونَبِيٍّ ووَلِيٍّ.

قال: والاسْتِغاثَةُ تَجوزُ في الأَسْبابِ الظَّاهَرةِ العادِيَّةِ مِن الأُمُورِ الِحسِّيَّةِ في قِتالٍ، أو إِدْراكِ عَدُوٍّ أو سَبُعٍ أو نحوِه، كَقولِهم: يا لَزَيْدٍ، يا لَلْمُسْلِمِين، بِحَسَبِ الأَسبابِ الظَّاهرةِ بالفِعْلِ. وأمَّا الاسْتِغاثةُ بالقُوَّةِ والتَّأْثِيرِ، أو في الأُمورِ المَعْنَوِيَّةِ مِن الشَّدائِدِ؛ كالمَرَضِ، وخَوْفِ الغَرَقِ، والضِّيقِ، والفَقْرِ، وطَلَبِ الرِّزْقِ، ونحوِه فمِن خَصَائِصِ اللهِ، لا يُطْلَبُ فيها غيرُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت