فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 339

قال: وأمَّا كَوْنُهم مُعْتَقِدِين التَّأْثِيرَ مِنهم في قَضاءِ حاجاتِهم، كَمَا تَفْعَلُه جاهِلِيَّةُ العَرَبِ، والصُّوفيَّةُ الجُهَّالُ، ويُنادُونَهم ويَسْتَنْجِدُون بهم؛ فهذا مِن المُنْكَراتِ. فمَن اعْتَقَدَ أنَّ لِغيرِ اللهِ؛ مِن نَبِيٍّ أو وَلِيٍّ أو رُوحٍ، أو غيرِ ذلك في كَشْفِ كُرْبَةٍ، أو قَضَاءِ حَاجَةٍ تَأْثِيرًا, فَقَدْ وَقَعَ في وَادِي جَهْلٍ خَطِيرٍ, فهو عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِن السَّعِيرِ.

وأَمَّا كَوْنُهُم مُسْتَدِلِّينَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُم كَرَامَاتٌ فَحَاشَا للَّهِ أَنْ تَكُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِهَذِهِ المَثَابَةِ, فَهَذَا ظَنُّ أَهْلِ الْأَوْثَانِ كَذَا أَخْبَرَ الرَّحْمَنُ: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس:18] {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُم شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} [يس:23] .

فإِنَّ ذِكْرَ مَا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ ولَا دَفْعُ الضُّرِّ - مِن نَبِيٍّ ووَلِيٍّ وغَيْرِه- عَلَى وَجْهِ الْإِمْدَادِ مِن إِشْرَاكٍ مَعَ اللَّهِ؛ إِذْ لَا قَادِرَ عَلَى الدَّفْعِ غَيْرُه، وَلَا خَيْرَ إلَّا خيرُه.

قال: وأمَّا ما قالوا إنَّ مِنهم أَبْدالًا ونُقَباءَ، وأَوْتَادًا نُجَباءَ، وسَبْعِين وسَبْعةً، وأَرْبعِين وأربعةً، والقُطْبُ: هو الغَوْثُ لِلنَّاسِ. فهذا مِن مَوْضُوعاتِ إِفْكِهم. كَمَا ذَكَرَه القاضِي المُحَدِّثُ في سِراجِ المُرِيدِين؛ وابنُ الجَوْزِيِّ وابنُ تَيْمِيَّةَ. انْتَهَى باخْتِصَارٍ.

والمَقْصُودُ أنَّ أَهْلَ العِلْمِ ما زَالُوا يُنْكِرُون هذه الأُمورَ الشِّرْكيَّةَ الَّتي عَمَّت بها البَلْوَى. واعْتَقَدَها أَهْلُ الأَهْوَاءِ، فلو تَتَبَّعْنَا كَلامَ العُلماءِ المُنْكِرِين لهذه الأُمورِ الشِّرْكيَّةِ لَطالَ الكِتابُ، والبَصِيرُ النَّبِيلُ يُدْرِكُ الحَقَّ مِن أَوَّلِ دَليلٍ، ومَن قال قولًا بلا بُرْهانٍ فقولُه ظاهرُ البُطْلانِ؛ مُخالِفٌ ما عليه أَهْلُ الحَقِّ والإِيمانِ المُتَمَسِّكُون بمُحْكَمِ القرآنِ؛ المُسْتَجِيبُون لداعِي الحَقِّ والإِيمانِ. واللهُ المُسْتَعانُ وعليه التُّكْلانُ.

(2) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقولِه تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يُونُس:106] ) قال ابنُ عَطِيَّةَ: مَعْناه قِيلَ لي: (وَلاَ تَدْعُ) . فهو مَعْطُوفٌ على {أَقِمْ} وهذا الأمْرُ والمُخاطَبةُ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كانَتْ هَكَذا فَأَحْرَى أنْ يَتَحَرَّزَ مِن ذلك غيرُه. والخِطابُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخُصوصِ وهو عامٌّ للأُمَّةِ.

قال أَبُو جَعْفَرِ بنُ جَرِيرٍ في هذه الآيةِ: يَقولُ تعالى ذِكْرُه: ولا تَدْعُ يا مُحَمَّدُ مِن دونِ مَعْبُودِك وخالِقِك شَيْئًا لا يَنْفَعُك في الدُّنْيا ولا في الآخِرةِ، ولا يَضُرُّك في دِينٍ ولا دُنْيا, يَعْنِي بِذلك الآلِهةَ والأَصْنامَ، يَقولُ: لا تَعْبُدْها راجِيًا نَفْعَها أو خائفًا ضَرَّها؛ فإنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ. فإن فَعَلْتَ ذلك فَدَعَوْتَها مِن دونِ اللهِ {فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} يَقولُ: مِن المُشْرِكِين باللهِ.

قُلْتُ: وهذه الآيةُ لها نَظائِرُ كقولِه: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشُّعَراء:123] ، وقولِه: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [القَصَص:88] . ففِي هذه الآياتِ بَيانُ أنَّ كُلَّ مَدْعُوٍّ يَكونُ إلهًا، والإلهيَّةُ حَقٌّ للهِ لا يَصْلُحُ مِنها شَيْءٌ لِغيرِه. ولِهذا قال: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ، كَمَا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحَجّ:62] . وهذا هو التَّوْحِيدُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ به رُسُلَه، وأَنْزَلَ به كُتُبَه، كما قال تَعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البَيِّنَة:5] . والدِّينُ: كُلُّ ما يُدانُ اللهُ به مِن العِباداتِ الظَّاهرةِ والباطِنةِ. وفَسَّرَه ابنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِه بالدُّعاءِ، وهو فَرْدٌ مِن أَفْرادِ العِبادةِ، على عادَةِ السَّلَفِ في التَّفسِيرِ. يُفَسِّرُون الآيةَ ببعضِ أَفْرادِ مَعْناها، فمَن صَرَفَ مِنها شَيْئًا لِقبرٍ أو صَنَمٍ أو وَثَنٍ أو غيرِ ذلك، فقد اتَّخَذَه مَعْبُودًا، وجَعَلَه شَرِيكًا للهِ في الإلهيَّةِ الَّتي لا يَسْتَحِقُّها إلَّا هو، كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت