فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 339

قال تَعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المُؤْمِنون:117] فتَبَيَّنَ بهذه الآيةِ ونحوِها أنَّ دَعْوَةَ غَيْرِ اللهِ شِرْكٌ وكُفْرٌ وضَلالٌ.

وقولُه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ} . فإنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالمُلْكِ والقَهْرِ، والعَطَاءِ والمَنْعِ، والضَّرِّ والنَّفْعِ، دونَ كُلِّ ما سِوَاه. فيَلْزَمُ مِن ذلك أن يَكونَ هو المَدْعُوَّ وحْدَه، المَعْبودَ وحْدَه، فإنَّ العِبادةَ لا تَصْلُحُ إلَّا لمالِكِ النَّفْعِ. ولا يَمْلِكُ ذلك ولا شَيْئًا مِنه غيرُه؛ فهو المُسْتَحِقُّ لِلعِبادةِ وَحْدَه، دونَ مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.

وقولُه تَعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزُّمَر:38] ، وقال: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطِر:2] . فهذا ما أَخْبَرَ به في كِتابِه؛ مِن تَفَرُّدِه بالإلهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ، ونَصَبَ الأَدِلَّةَ على ذلك. فاعْتَقَدَ عُبَّادُ القُبورِ والمَشاهِدِ نَقِيضَ ما أَخْبَرَ به اللهُ، واتَّخَذُوهم شُرَكاءَ للهِ في اسْتَجْلابِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَكارِهِ بسُؤَالِهم، والالْتِجاءِ إِلَيْهِم بالرَّغْبةِ والرَّهْبةِ والتَّضَرُّعِ، وغيرِ ذلك مِن أَنْوَاعِ العِبَادَةِ الَّتي لا يَسْتَحِقُّها إلَّا اللهُ تَعالى، واتَّخَذُوهم شُرَكاءَ للهِ في رُبوبيَّتِه وإلهيَّتِه. وهذا فَوْقَ شِرْكِ كُفَّارِ العَرَبِ القائِلِين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ، {هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} . فإنَّ أُولئك يَدْعُونَهم لِيَشْفَعُوا لهم ويُقَرِّبُوهم إلى اللهِ. وكانوا يَقُولونَ في تَلْبِيَتِهم: لَبَّيَكَ لا شَرِيكَ لك إلَّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُه وما مَلَكَ.

وأمَّا هؤلاء المُشْرِكُونَ فاعْتَقَدُوا في أَهْلِ القُبورِ والمَشاهِدِ ما هو أَعْظَمُ مِن ذلك. فَجَعَلُوا لهم نَصِيبًا مِن التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ، وجَعَلُوهم مَعاذًا لهم ومَلاذًا في الرَّغَباتِ والرَّهَباتِ {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

وقولُه: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . أي: لمَن تَابَ إِلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت