فهرس الكتاب
(1) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقولُه: {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17] ) يَأْمُرُ تعالى عِبَادَه بابْتِغَاءِ الرِّزْقِ مِنه وحدَه دُونَ ما سِوَاه مِمَّن لا يَمْلِكُ لهم رِزْقًا مِن السماواتِ والأرضِ شيئًا. فتَقْدِيمُ الظرْفِ يُفِيدُ الاخْتِصَاصَ. وقولُه: {واعْبُدُوهُ} مِن عَطْفِ العامِّ على الخاصِّ؛ فإنَّ ابْتِغَاءَ الرِّزْقِ عندَه مِن العِبادَةِ التي أَمَرَ بها.
قالَ العِمَادُ ابنُ كثيرٍ: {فَابْتَغُوا} أي: فاطْلُبُوا {عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ} أي: لا عندَ غيرِه؛ لأَنَّهُ المالِكُ له, وغيرُه لا يَمْلِكُ شيئًا مِن ذلك (واعبُدُوهُ) أي: أخْلِصُوا له العِبَادَةَ وَحْدَه لا شريكَ لَه {وَاشْكُروا لَهُ} أي: على ما أَنْعَمَ عليكم {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يومَ القِيامَةِ, فيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بعَمَلِهِ.
(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقولُه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحْقَاف:5 - 6] ) .
فنَفَى سُبْحَانَه أن يكونَ أَحَدٌ أَضَلَّ مِمَّن يَدْعُو غيرَه. وأَخْبَرَ أَنَّهُ لا يَسْتَجِيبُ لَه ما طَلَبَ مِنه إلى يومِ القِيامَةِ. والآيةُ تَعُمُّ كلَّ مَن يُدْعَى مِن دُونِ اللهِ، كما قالَ تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا} [الإسراء:56] وفي هذه الآيَةِ أَخْبَرَ أَنَّهُ لا يَسْتَجِيبُ وأَنَّهُ غافِلٌ عن دَاعِيهِ (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) فتَنَاوَلَت الآيةُ كلَّ دَاعٍ وكلَّ مَدْعُوٍّ مِن دونِ اللهِ.
(3) قالَ أبو جَعْفَرِ بنُ جَرِيرٍ في قولِهِ: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً) يقولُ تعالى ذِكْرُه: وإذا جُمِعَ الناسُ ليومِ القِيامَةِ في مَوْقِفِ الحِسَابِ كانَتْ هذه الآلِهَةُ التي يَدْعُونها في الدنيا لهم أعداءً؛ لأَنَّهُم يَتَبَرَّؤُون منهم (وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) يقولُ تعالى ذِكْرُه: وكَانَت آلِهَتُهم التي يَعْبُدُونها في الدنيا بعبادَتِهِم جاحِدِين؛ لأَنَّهُم يقولون يومَ القِيامَةِ: ما أَمَرْنَا بعِبَادَتِنَا ولا شَعَرْنا بعبادَتِهِم إيَّانا. تَبَرَّأْنَا إليك مِنهم يا رَبَّنَا، كما قالَ تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفُرْقَان:17 - 18] .
قالَ ابنُ جَرِيرٍ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} مِن الملائِكَةِ والإِنْسِ والجِنِّ, وساقَ بسَنَدِهِ عن مُجَاهِدٍ قالَ: عيسى وعُزَيْرٌ والمَلَائِكَةُ.
ثم قالَ: يقولُ تعالى ذِكْرُهُ: قالَت الملائِكةُ الذين كانَ هؤلاء المُشْرِكُون يَعْبُدُونهم مِن دُونِ اللهِ وعيسى: تنزيهًا لك يا رَبَّنَا وتَبْرِئَةً مما أضَافَ إليك هؤلاء المُشْرِكُون {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} نُوالِيهم {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} انْتَهَى.
قُلْتُ: وأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ الدُّعاءُ في الكِتابِ والسنَّةِ واللُّغَةِ ولسانِ الصَّحَابَةِ ومَن بعدَهم من العُلَمَاءِ: في السُّؤالِ والطَّلَبِ، كما قالَ العُلَمَاءُ مِن أهلِ اللغةِ وغيرِهم: الصلاةُ لغةً: الدُّعاءُ، وقد قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطِر:13 - 14] . وقالَ: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأنعامُ:63] وقالَ: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يُونُسُ:12] وقالَ: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فُصِّلَتْ:51] وقالَ: {لَّا يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} [فُصِّلَتْ:49] وقالَ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنْفَال:9] .