فهرس الكتاب
وفي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: (( الدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ ) )وفي الحديثِ الصحيحِ: (( ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجابَةِ ) )وفي آخَرَ: (( مَنْ لَمْ يَسْأَل اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ ) ), وحديثِ: (( لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعاءِ ) )روَاه أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَةَ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَه.
وقولِهِ: (( الدُّعاءُ سِلاحُ الْمُؤمِنِ وَعِمَادُ الدِّينِ وَنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) )، روَاه الحاكِمُ وصحَّحَه. وقولِه: (( سَلُوا اللهَ كُلَّ شَيْءٍ حَتى الشِّسْعَ إذا انقَطَعَ ) )الحديثَ، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: (( أَفضلُ العِبادَةِ الدُّعاءُ ) )وقَرَأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافِر:60] , روَاه ابنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَه. وحديثِ: (( اللَّهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحمْدَ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ ) )الحديثَ، وحديثِ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) )وأمثالُ هذا في الكِتابِ والسنَّةِ أكْثَرُ مِن أن يُحْصَرَ، في الدعاءِ الذي هو السؤالُ والطَّلَبُ، فمَن جَحَدَ كَوْنَ السؤالِ والطَّلَبِ عِبَادَةً فقد صَادَمَ النصُوصَ وخالَفَ اللُّغَةَ واسْتِعْمَالَ الأمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا.
وأمَّا ما تَقَدَّمَ من كلامِ شيخِ الإسلامِ، وتَبِعَه العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ من أنَّ الدعاءَ نوعان:
دعاءُ مَسْأَلَةٍ
ودُعَاءُ عِبَادَةٍ.
وما ذُكِرَ بينَهما من التلازُمِ وتَضَمُّنِ أحدِهما للآخَرِ، فذلك باعْتِبَارِ كَوْنِ الذاكِرِ والتالي والمُصَلِّي والمُتَقَرِّبِ بالنُّسُكِ وغيرِه طَالِبًا في المعنى. فيَدْخُلُ في مُسَمَّى الدُّعاءِ بهذا الاعْتِبَارِ، وقد شَرَعَ اللهُ تعالى في الصَّلاةِ الشرعِيَّةِ من دُعَاءِ المسأَلَةِ ما لا تَصِحُّ الصلاةُ إلا بِهِ, كما في الفاتِحَةِ ويينَ السجْدَتَيْنِ وفي التشَهُّدِ، وذلك عبادةٌ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ. فتَدَبَّرْ هذا المقامَ يَتَبَيَّنْ لك جَهْلُ الجاهِلِين بالتوحِيدِ.
وممَّا يُبَيِّنُ هذا المقامَ ويَزِيدُه إِيضَاحًا قولُ العَلَّامَةِ ابنِ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى في مَعْنَى قولِهِ تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] وهذا الدُّعاءُ المشهورُ أَنَّهُ دُعاءُ المَسْأَلَةِ. قالوا: كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ربَّه مَرَّةً يَقُولُ: يا اللهُ ومَرَّةً يا رَحْمَنُ, فَظَنَّ المُشْرِكُون أَنَّهُ يَدْعُو إلهين فأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ. ذُكِرَ هذا عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. وقِيلَ: إنَّ الدعاءَ هنا بمعنى التسْمِيَةِ، والمعنى: أيَّ اسْمٍ سَمَّيْتُمُوه به من أسماءِ اللهِ تعالى، إمَّا (الله) وإمَّا (الرحمن) فلَه الأسماءُ الحُسْنَى. وهذا مِن لوازِمِ المعنى في الآيَةِ. وليسَ هو عَيْنَ المُرَادِ, بل المُرَادُ بالدُّعاءِ معناه المَعْهُودُ المُطَّرِدُ في القُرْآنِ. وهو دعاءُ السؤالِ ودعاءُ الثَّنَاءِ.
ثم قالَ: إذا عُرِفَ هذا فقولُه تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55] يَتَنَاولُ نَوْعَي الدعاءِ, لكنه ظاهِرٌ في دعاءِ المسأَلَةِ مُتَضَمِّنٌ لدعاءِ العِبَادَةِ، ولهذا أَمَرَ بإِخْفَائِهِ. قالَ الحَسَنُ: (( بَيْنَ دُعَاءِ السِّرِّ ودُعاءِ العَلَانِيَةِ سَبْعون ضِعْفًا. ولقد كانَ المُسلِمون يَجْتَهِدُون في الدعاءِ ولم يُسْمَعْ لهم صوتٌ إن كانَ إلا هَمْسًا بينَهم وبينَ ربِّهِم ) ), وقولُه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186] يَتَنَاولُ نَوْعَي الدعاءِ، وبِكُلٍّ منهما فُسِّرت الآيَةُ, قِيلَ: أُعْطِيهِ إذا سَأَلَني، وقيلَ: أُثِيبُهُ إذا عَبَدَنِي, وليسَ هذا من اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومجازِهِ، بل هذا اسْتِعْمَالُه في حقيقَتِهِ الواحِدَةِ المُتَضَمِّنَةِ للأَمْرَين جَمِيعًا. وهذا يأتي في مَسْأَلَةِ الصلاةِ وأنها هل نُقِلَت عن مُسَمَّاها في اللغةِ وصارَتْ حَقِيقةً شرعيَّةًً، أو اسْتُعْمِلَت في هذه العِبَادَةِ مَجَازًا للعَلاقَةِ بينَها وبينَ المُسَمَّى اللُّغَوِيِّ أو هي باقِيةٌ على الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَضُمَّ إليها أركانٌ وشرائِطُ. وعَلى ما قَرَّرْنَاه لا حَاجَةَ إلى شَيْءٍ من ذلك، فإنَّ المُصَلِّيَ مِن أوَّلِ صلاتِهِ إلى آخِرِهَا لا يَنْفَكُّ عن دعاءٍ: إمَّا دعاءِ عِبَادَةٍ وثَنَاءٍ؛ أو دُعاءِ طَلَبٍ ومَسْأَلَةٍ، وهو في الحالَين داعٍ, انتهى من البَدَائِعِ.