فهرس الكتاب
(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قولُه: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} [النَّمْل:62] ) يُبَيِّنُ تعالى أن المُشْرِكِين من العَرَبِ ونحوِهم قد عَلِمُوا أَنَّهُ لا يُجِيبُ المُضْطَرَّ ويَكْشِفُ السُّوءَ إِلَّا اللهُ وحدَه, فذَكَرَ ذلك سُبْحَانَه مُحْتَجًّا عليهم في اتِّخَاذِهِم الشُّفَعَاءَ مِن دُونِهِ، ولهذا قالَ: (أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ) يعني: يَفْعَلُ ذلك. فإذا كانَت آلِهَتُهُم لا تُجِيبُهُم في حالِ الاضْطِرارِ فلا يَصْلُحُ أن يَجْعَلُوها شُركاءَ للهِ الذي يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعَاه ويَكْشِفُ السُّوءَ وَحْدَه. وهذا أَصَحُّ ما فُسِّرَت به الآيَةُ كسابِقَتِهَا مِن قولِه: {أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل:60 - 61] ولاحِقَتِهَا إلى قولِه: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:63 - 64] .
فتَأَمَّلْ هذه الآياتِ يَتَبَيَّنْ لك أنَّ اللهَ تعالى احْتَجَّ على المُشْرِكِين بما أَقَرُّوا به على ما جَحَدُوه: مِن قَصْرِ العِبَادَةِ جَمِيعِها عليه، كما في فاتِحَةِ الكِتابِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتِحَة:5] .
قالَ أبو جَعْفَرِ بنُ جَرِيرٍ: قولُه: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} يقولُ تعالى ذِكْرُه: أم ما تُشْرِكون باللهِ خيرٌ، أم الذي يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دعاه ويَكْشِفُ السُّوءَ النازِلَ به عنه؟ وقولُه: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} يقولُ: يَسْتَخْلِفُ بعدَ أمواتِكم في الأرضِ منكم خُلَفاءَ أحياءً يَخْلُفُونَهم، وقولُه: (أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ) يَقُولُ: أَإِلَهٌ سِوَاه يَفْعَلُ هذه الأشياءَ بِكم وَيُنْعِمُ عليكم هذه النِّعَمَ. وقولُه: {قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} يقولُ: تَذَكُّرًا قليلًا مِن عَظَمَةِ اللهِ وأَيَادِيه عندَكم، تَذَكَّرُون وتَعْتَبِرُون حُجَجَ اللهِ عليكم يَسِيرًا، فلذلك أَشْرَكْتُم باللهِ غيرَه في عِبَادَتِهِ. انتهى.
(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (ورَوَى الطَّبَرَانِيُّ بإِسْنَادِهِ أَنَّهُ كَانَ في زَمَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ. فقالَ بَعْضُهُمْ: قُوموا بِنا نَسْتَغِيثُ بِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هَذا المُنَافِقِ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( إِنَّهُ لا يُسْتَغاثُ بي، وَإِنَّما يُسْتَغَاثُ بِاللهِ ) )).
الطبرانيُّ: هو الإِمامُ الحافِظُ سُلَيْمَانُ بنُ أحمدَ بنِ أَيُّوبَ اللَّخْمِيُّ الطبرانِيُّ، صاحِبُ المعاجِمِ الثلاثَةِ وغيرِها. روَى عن النَّسَائِيِّ وإِسْحَاقَ بنِ إبراهيمَ الدَّبْرِيِّ وخَلْقٍ كثيرٍ. ماتَ سَنَةَ سِتِّين وثلاثِمِائَةٍ. روَى هذا الحديثَ عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
قولُه: (أَنَّهُ كَانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنينَ) لم أقِفْ على اسْمِ هذا المُنَافِقِ.
قُلْتُ: هو عبدُ اللهِ بنُ أبي حَاتِمٍ في رِوَايَتِهِ.
قولُه: (فَقَالَ بَعْضُهُم) أي: الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم؛ هو أَبو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
قولُه: (قُومُوا بِنا نَسْتَغِيثُ بِرَسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ هَذَا الْمُنافِقِ) . لأَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْدِرُ على كَفِّ أَذَاه.
قولُه: (إِنَّهُ لا يُسْتَغاثُ بي، وَإِنَّما يُسْتَغَاثُ بِاللهِ) . فيه النصُّ على أَنَّهُ لا يُسْتَغَاثُ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا مَن دُونَه. كَرِهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُسْتَعْمَلَ هذا اللفظُ في حَقِّهِ، وإن كان فيما يَقْدِرُ عليه في حياتِهِ؛ حِمَايَةً لجَنَابِ التوحيدِ، وسَدًّا لذَرَائِعِ الشِّرْكِ, وَأَدَبًا وتَوَاضُعًا لربِّهِ، وتَحْذِيرًا للأُمَّةِ من وسَائِلِ الشِّرْكِ في الأقْوَالِ والأَفْعَالِ. فإذا كانَ هذا فيما يَقْدِرُ عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياتِهِ، فكيف يَجُوزُ أن يُسْتَغَاثَ به بعدَ وَفَاتِهِ ويُطلَبَ منه أمورٌ لا يَقْدِرُ عليها إلا اللهُ؟ كما جَرَى على أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ