فهرس الكتاب
قالَ شيخُ الإسلامِ: والحمْدُ ضِدُّ الذمِّ، والحمدُ يَكونُ على مَحاسِنِ المحمودِ مع الْمَحَبَّةِ له. كما أنَّ الذَّمَّ يَكونُ على مَساوِيهِ مع الْبُغْضِ له.
وكذا قالَ ابنُ الْقَيِّمِ, وفَرَّقَ بينَه وبينَ الْمَدْحِ بأنَّ الإخبارَ عن مَحاسِنِ الغيرِ إمَّا أن يكونَ إخبارًا مُجَرَّدًا عن حُبٍّ وإرادةٍ، أو يكونَ مَقرونًا بِحُبِّه وإرادتِه. فإن كان الأَوَّلَ فهو الْمَدْحُ، وإن كانَ الثانيَ فهو الْحَمْدُ، فالحمْدُ إخبارٌ عن مَحاسِنِ المحمودِ مع حُبِّهِ وإجلالِه وتَعظيمِه. ولهذا كان خَبَرًا يَتَضَمَّنُ الإنشاءَ بخِلافِ الْمَدْحِ، فإنه خَبَرٌ مُجَرَّدٌ. فالقائلُ إذا قالَ (الحمدُ للهِ) أو قالَ (رَبَّنَا ولك الْحَمْدُ) تَضَمَّنَ كلامُه الخبَرَ عن كلِّ ما يُحْمَدُ عليه تعالى باسمٍ جامعٍ مُحيطٍ مُتَضَمِّنٍ لكلِّ فَرْدٍ من أفرادِ الجملةِ الْمُحَقَّقَةِ والْمُقَدَّرَةِ، وذلك يَستلزِمُ إثباتَ كلِّ كَمالٍ يُحْمَدُ عليه الربُّ تعالى، ولهذا لا تَصْلُحُ هذه اللفظةُ على هذا الوجهِ ولا تَنْبَغِي إلا لِمَنْ هذا شأنُه، وهو الحميدُ الْمَجيدُ.
وفيه: التصريحُ بأنَّ الإمامَ يَجمَعُ بينَ التسميعِ والتحميدِ، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ، وخالَفَ في ذلك مالِكٌ وأبو حَنيفةَ، فقالَا: يَقْتَصِرُ على (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) .
(5) قولُه: (وفي روايةٍ:(( يَدْعُو على صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ وسُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو وَالحَارِثِ بنِ هِشامٍ ) )وذلك لأَنَّهُم رُؤوسُ المشرِكينَ يومَ أُحُدٍ، هم وأبو سُفيانَ بنُ حَرْبٍ، فما اسْتُجِيبَ لَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم, بلْ أَنزَلَ اللهُ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} فتابَ عليهم فأَسْلَمُوا وحَسُنَ إسلامُهم، وفي هذا كلِّه معنى شَهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ الذي له الأمْرُ كلُّه، يَهْدِي مَن يَشاءُ بفَضْلِه ورَحمتِه، ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بعَدْلِه وحِكْمَتِه. فهو المُسْتَحِقُّ أن يُعْبَدَ وَحْدَه.
وفي هذا من الْحُجَجِ والبراهينِ ما يُبيِّنُ بُطلانَ ما يَعتقِدُه عُبَّادُ القُبورِ في الأولياءِ والصالحينَ. بل في الطواغيتِ من أَنَّهُم يَنفعونَ مَن دَعَاهُم، ويَمنعونَ مَن لاذَ بِحِمَاهم، فسُبحانَ مَن حالَ بينَهم وبينَ فَهْمِ الكتابِ. وذلك عَدْلُه سُبحانَه، وهو الذي يَحولُ بينَ الْمَرءِ وقَلْبِه، وبه الْحَوْلُ والقُوَّةُ.
(6) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (وفيهِ عَنْ أبي هُريرةَ قالَ: قامَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -حِينَ أنْزَلَ اللهُ عليهِ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] . فقالَ:(( يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَها- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْني عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يا عَبَّاسُ بنَ عَبْدِ المطَّلِبِ لا أُغْني عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يا صَفِيّةُ -عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالي مَا شِئْتِ، لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) ).
قولُه: (وفيه) أي: (صحيحِ البخاريِّ) .
قولُه: (عن أبي هُريرةَ) اخْتُلِفَ في اسْمِه. وصَحَّحَ النوويُّ أنَّ اسْمَه عبدُ الرحمنِ بنُ صَخْرٍ، كما رواه الحاكِمُ في الْمُستَدْرَكِ عن أبي هُريرةَ قالَ: كان اسمِي في الجاهليَّةِ: (( عبدَ شَمْسِ بنَ صَخْرٍ، فسُمِّيتُ في الإسلامِ عبدَ الرحمنِ ) ). ورَوَى الدُّولابيُّ بإسنادِه عن أبي هُريرةَ (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ ) )وهو دَوْسِيٌّ من فُضَلاءِ الصحابةِ وحُفَّاظِهم، حَفِظَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكثرَ مِمَّا حَفِظَه غيرُه، ماتَ سنةَ سبعٍ أو ثَمانٍ أو تِسعٍ وخمسينَ، وهو ابنُ ثَمانٍ وسبعين سنةً.
قولُه: (قَامَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) في الصحيحِ من روايةِ ابنِ عبَّاسٍ: (صَعِدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا) .
قولُه: (حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} ) عَشِيرَةُ الرجُلِ: هم بنو أَبِيهِ الْأَدْنَوْنَ أو قَبيلتُه؛ لأَنَّهُم أَحَقُّ الناسِ بِبِرِّكَ وإحسانِك الدِّينيِّ والدُّنيويِّ؛ كما قالَ تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}