فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 339

السابعة: أَنّها لا تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بالله.

الثامنة: بيانُ حَقِيقَتِها.

(1) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (بابُ الشَّفاعَةِ) أي: بيانُ ما أَثْبَتَه القرآنُ منها وما نَفَاهُ. وحقيقةُ ما دَلَّ القرآنُ على إثباتِه.

(2) قولُه: وقولِ اللهِ -عزَّ وجَلَّ-: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام:51] ، الإنذارُ: وهو الإعلامُ بأسبابِ الْمَخَافَةِ والتحذيرُ منها.

قولُه: {بِهِ} قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بالقرآنِ: {الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} -وَهُمُ الْمُؤمِنونَ- وعن الفُضيلِ بنِ عِياضٍ: (( ليس كلُّ خَلْقِهِ عَاتَبَ، إنما عَاتَبَ الذين يَعْقِلون؛ فقالَ: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِم} أي: وهم المؤمنونَ أصحابُ العُقولِ الوَاعِيَةِ ) ).

قولُه: {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} قالَ الزَّجَّاجُ: مَوْضِعُ (ليس) نَصْبٌ على الحالِ، كأَنَّهُ قالَ: مُتَخَلِّينَ من كلِّ وَلِيٍّ وشَفيعٍ، والعاملُ فيه (يَخافونَ) .

قولُه: {لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ} أي: فيَعملونَ في هذه الدارِ عَمَلًا يُنْجِيهِم اللهُ به من عَذابِ يومِ القِيامةِ.

وقولُه: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًَا} [الزمر:44] وقَبْلَها: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ} [الزُّمَر: 43] وهذه كقولِه تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس:18] فبَيَّنَ تعالى في هذه الآياتِ وأمثالِها أنَّ وُقوعَ الشفاعةِ على هذا الوَجْهِ مُنْتَفٍ ومُمْتَنِعٌ، وأنَّ اتِّخاذَهُم شُفعاءَ شِرْكٌ، يَتَنَزَّهُ الربُّ تعالى عنه. وقد قالَ تعالى: {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأحقاف:28] فبَيَّنَ تعالى أنَّ دَعواهُم أَنَّهُم يَشْفَعُونَ لهم بتَأَلُّهِهِم؛ أنَّ ذلك منهم إفكٌ وافتراءٌ.

وقولُه تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًَا} أي: هو مالِكُها؛ فليس لِمَن تُطْلَبُ منه شيءٌ منها، وإنما تُطْلَبُ مِمَّنْ يَمْلِكُها دونَ كلِّ مَا سِواهُ؛ لأنَّ ذلك عِبادةٌ وتَأَلُّهٌ لا يَصْلُحُ إلا للهِ.

قالَ البَيْضَاوِيُّ: لعَلَّه رَدٌّ لِمَا عَسَى أن يُجِيبُوا به، وهو أنَّ الشُّفعاءَ أَشخاصٌ مُقَرَّبُونَ.

وقولُه تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} تقريرٌ لبُطلانِ اتِّخاذِ الشُّفعاءِ من دونِه؛ لأَنَّهُ مالِكُ الْمُلْكِ، فانْدَرَجَ في ذلك مُلْكُ الشفاعةِ، فإذا كانَ هو مالِكَها بَطَلَ أن تُطْلَبَ مِمَّنْ لا يَمْلِكُها {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] .

قالَ ابنُ جَريرٍ: نَزَلَتْ لمَّا قالَ الكُفَّارُ: ما نَعْبُدُ أَوْثَانَنا هذه إلا ليُقَرِّبُونَا إلى اللهِ زُلْفَى. قالَ اللهُ تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزُّمَر: 44] .

(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وقولُه: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] ) قد تَبيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ من الآياتِ أنَّ الشفاعةَ التي نفاها القرآنُ هي التي تُطْلَبُ من غيرِ اللهِ. وفي هذه الآيةِ بَيانُ أنَّ الشفاعةَ إنما تَقَعُ في الدارِ الآخِرَةِ بإذْنِه، كما قالَ تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه:109] فبَيَّنَ أنها لا تَقَعُ لأَحَدٍ إلا بشَرطينِ: إِذْنُ الربِّ تعالى للشافِعِ أن يَشْفَعَ؛ ورِضاهُ عن الْمَأذونِ بالشفاعةِ فيه، وهو تعالى لا يَرْضَى من الأقوالِ والأعمالِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت