فهرس الكتاب
الظاهرةِ والباطنةِ إلا ما أُريدَ به وَجْهُه، ولَقِيَ العبدُ به رَبَّه مُخْلِصًا غيرَ شاكٍّ في ذلك، كما دَلَّ على ذلك الحديثُ الصحيحُ. وسيأتي ذلك مُقَرَّرًا أيضًا في كلامِ شيخِ الإسلامِ رَحِمَه اللهُ.
(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وقولِه: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النَّجْم: 26] , قالَ ابنُ كثيرٍ: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} كقولِه: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} فإذا كان هذا في حَقِّ الملائكةِ الْمُقَرَّبِينَ، فكيف تَرْجُونَ أيُّها الجاهلونَ شَفاعةَ هذه الأندادِ عندَ اللهِ؛ وهو لم يُشَرِّعْ عِبادتَها ولا أَذِنَ فيها، بل قد نَهَى عنها على أَلْسِنَةِ جَميعِ رُسُلِه؛ وأَنزَلَ بالنهْيِ عن ذلك جَميعَ كُتُبِه؟
(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وقولُه -تعالى-: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ* وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:22 - 23] ) .
قالَ ابنُ الْقَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى في الكلامِ على هذه الآياتِ: وقد قَطَعَ اللهُ الأسبابَ التي يَتَعَلَّقُ بها الْمُشرِكونَ جَميعَها. فالْمُشْرِكُ إنما يَتَّخِذُ مَعبودَه لِمَا يَحْصُلُ له من النَّفْعِ، والنَّفْعُ لا يكونُ إلا مِمَّنْ فيه خَصْلَةٌ من هذه الأَربعِ: إمَّا مالكٌ لِمَا يُريدُه عابدُه منه، فإن لم يكنْ مالكًا كان شَريكًا للمالِكِ، فإن لم يكنْ شَريكًا له كان مُعِينًا له وظَهيرًا، فإن لم يكنْ مُعينًا ولا ظَهيرًا كان شَفيعًا عندَه. فنَفَى سُبحانَه الْمَراتِبَ الأربعَ نَفيًا مُرَتَّبًا، مُتَنَقِّلًا من الأَعْلَى إلى الأَدْنَى؛ فنَفَى الْمُلْكَ والشَّرِكَةَ والْمُظاهَرَةَ والشفاعةَ التي يَطْلُبُها الْمُشْرِكُ، وأَثْبَتَ شَفاعةً لا نَصيبَ فيها لِمُشْرِكٍ، وهي الشفاعةُ بإِذْنِه. فكَفَى بهذه الآيةِ نُورًا وبُرهانًا وتَجريدًا للتوحيدِ؛ وقَطْعًا لأُصولِ الشرْكِ ومَوادِّهِ لِمَن عَقَلَها. والقرآنُ مَملوءٌ من أَمثالِها ونَظائرِها, ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَشْعُرونَ بدُخولِ الوَاقِعِ تَحْتَه وَتَضَمُّنِهِ له، وَيَظُنُّونَها في نَوْعٍ وَقَوْمٍ قد خَلَوْا من قَبْلُ ولم يُعَقِّبُوا وارِثًا، وهذا هو الذي يَحولُ بينَ القلبِ وبينَ فَهْمِ القُرآنِ. ولعَمْرُ اللهِ؛ إن كان أولئكَ قد خَلَوْا فقد وَرِثَهم مَنْ هو مِثلُهم أو شَرٌّ منهم أو دونَهم، وَتَنَاوُلُ القرآنِ لهم كتَنَاوُلِه لأولئكَ.
ثم قالَ: ومن أنواعِه -أي: الشرْكِ- طَلَبُ الحوائجِ من الْمَوْتَى والاستغاثةُ بهم، وهذا أَصْلُ شِرْكِ العالَمِ. فإنَّ الْمَيِّتَ قد انْقَطَعَ عملُه وهو لا يَمْلِكُ لنفسِه نَفْعًا ولا ضَرًّا، فَضْلًا عمَّن استغاثَ به وسألَه أن يَشفعَ له إلى اللهِ. وهذا مِن جَهْلِه بالشافعِ والمشفوعِ عندَه. فإنه لا يَقْدِرُ أن يَشفعَ له عندَ اللهِ إلا بإذنِه. واللهُ لم يَجْعَل استغاثتَه وسؤالَه سَببًا لإذْنِه؛ وإنما السبَبُ كمالُ التوحيدِ، فجاءَ هذا الْمُشرِكُ بسَببٍ يَمنعُ الإذنَ، وهو بِمَنزلةِ مَن استعانَ في حاجَتِه بما يَمْنَعُ حُصُولَها. وهذه حالةُ كلِّ مُشْرِكٍ، فجَمَعُوا بينَ الشرْكِ بالمعبودِ وتَغييرِ دِينِه، ومُعاداةِ أهلِ التوحيدِ، ونِسبةِ أهلِه إلى التنَقُّصِ بالأمواتِ، وهم قد تَنَقَّصُوا الخالقَ بالشرْكِ، وأولياءَه الْمُوَحِّدِينَ بذَمِّهم وعَيْبِهم ومُعاداتِهم، وتَنَقَّصُوا مَن أَشْرَكُوا به غايةَ التَّنَقُّصِ؛ إذ ظَنُّوا أَنَّهُم رَاضُونَ منهم بهذا، وأَنَّهُم أَمَرُوهم به، وأَنَّهُم يُوالُونَهم عليه، وهؤلاءِ هم أعداءُ الرُّسُلِ في كلِّ زَمانٍ ومكانٍ، وما أكثرَ الْمُسْتَجِيبِينَ لهم؛ وما نَجَى مِن شَرَكِ هذا الشرْكِ الأكبرِ إلا مَن جَرَّدَ تَوحيدَه للهِ، وعَادَى المشرِكينَ في اللهِ، وتَقَرَّبَ بِمَقْتِهِم إلى اللهِ، واتَّخَذَ اللهَ وَحدَه وَليَّه وإلَهَه ومَعبودَه. فجَرَّدَ حُبَّهُ للهِ وخَوفَه للهِ، ورَجاءَه للهِ؛ وذُلَّه للهِ، وتَوَكُّلَه على اللهِ، واستعانتَه باللهِ، والتجاءَه إلى اللهِ، واستغاثتَه باللهِ، وقَصْدَه للهِ، مُتَّبِعًا لأَمْرِه مُتَطَلِّبًا لِمَرضاتِه، إذا سألَ سألَ اللهَ، وإذا استعانَ استعانَ باللهِ، وإذا عَمِلَ عَمِلَ للهِ. فهو للهِ وباللهِ ومع اللهِ. انْتَهَى كلامُه رَحِمَه اللهُ تعالى.
وهذا الذي ذَكَرَه هذا الإمامُ هو حقيقةُ دِينِ الإسلامِ؛ كما قالَ تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125] .