فهرس الكتاب
قولُه: (قالَ أبو العَبَّاسِ) : هو كُنْيَةُ شيخِ الإسلامِ، أحمدَ بنِ عبدِ الحليمِ بنِ عبدِ السلامِ ابنِ تَيميةَ الْحَرَّانِيِّ، إمامِ المسلمينَ -رَحِمَه اللهُ-.
قولُه: (وقالَ أبو هُريرةَ) إلى آخِرِه. هذا الحديثُ رواه البخاريُّ، والنسائيُّ، عن أبي هُريرةَ.
ورواه أحمدُ، وصَحَّحَه ابنُ حِبَّانَ، وفيه: (( وَشَفَاعَتِي لِمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصًا، يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ، ولِسَانُهُ قَلْبَهُ ) ).
وشاهدُهُ في (صحيحِ مسلِمٍ) ، عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَهِيَ نَائِلةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا ) ).
وقد ساقَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ كلامَ شَيخِ الإسلامِ هنا، فقالَ مَقامَ الشرْحِ والتفسيرِ لِمَا في هذا البابِ من الآياتِ، وهو كافٍ وافٍ، بتحقيقٍ مع الإيجازِ. واللهُ أَعْلَمُ.
وقد عَرَّفَ الإخلاصَ بتعريفٍ حَسَنٍ، فقالَ: الإخلاصُ: مَحَبَّةُ اللهِ وَحْدَه، وإرادةُ وَجْهِه.
وقالَ ابنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَه اللهُ- في معنى حديثِ أبي هُريرةَ: تَأَمَّلْ هذا الحديثَ كيف جَعَلَ الأسبابَ التي تُنالُ بها شَفاعتُه: تَجريدَ التوحيدِ، عَكْسَ ما عندَ الْمُشرِكينَ أنَّ الشفاعَةَ تُنالُ باتِّخاذِهم شُفعاءَ وعِبادَتِهم ومُوَالَاتِهم. فقَلَبَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ ما في زَعْمِهِمُ الكاذبِ، وأَخْبَرَ أنَّ سَبَبَ الشفاعةِ تَجريدُ التوحيدِ، فحِينئذٍ يَأْذَنُ اللهُ للشافِعِ أن يَشْفَعَ.
ومَن جَهْلِ الْمُشْرِكِ اعتقادُهُ أنَّ مَن اتَّخَذَه وَليًّا أو شفيعًا، أنه يَشْفَعُ له ويَنْفَعُه عندَ اللهِ، كما يكونُ خَواصُّ الملوكِ والوُلاةِ تَنفعُ مَن وَالَاهُم.
ولا يَعْلَمُونَ أنه لا يَشْفَعُ عندَه أحدٌ إلا بإِذْنِه، ولا يَأذَنُ في الشفاعةِ إلا لِمَن رَضِيَ قولَه وعَمَلَه؛
كما قالَ في الفصلِ الأَوَّلِ: {مَن ذَا الذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} .
وفي الفصلِ الثاني: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} .
وبَقِيَ فَصْلٌ ثالثٌ: وهو أنه لا يَرْضَى من القولِ والعملِ إلا تَوحيدَه واتِّباعَ رَسولِه -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- فهذه ثلاثةُ فُصولٍ، تَقْطَعُ شَجرةَ الشِّرْكِ من قَلْبِ مَن وَعَاهَا وعَقَلَها. انتهى.
وذَكَرَ -أيضًا- رَحِمَه اللهُ أنَّ الشفاعةَ سِتَّةُ أنواعٍ:
الأَوَّلُ: الشفاعةُ الكُبْرَى، التي يَتَأَخَّرُ عنها أُولو الْعَزْمِ -عليهم الصلاةُ والسلامُ- حتى تَنْتَهِيَ إليه -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ-، فيَقُولَ: أنا لها، وذلك حينَ يَرْغَبُ الخلائقُ إلى الأنبياءِ، ليَشْفَعُوا لهم إلى رَبِّهم حتى يُرِيحَهُم مِن مَقامِهم في الْمَوْقِفِ. وهذه شفاعةٌ يُخْتَصُّ بها، لا يَشْرَكُه فيها أَحَدٌ.
الثاني: شَفاعتُه لأهلِ الْجَنَّةِ، في دُخولِها. وقد ذَكَرَها أبو هُريرةَ، في حديثِه الطويلِ الْمُتَّفَقِ عليه.
الثالثُ: شفاعتُه لقومٍ من العُصاةِ من أمَّتِهِ، قد اسْتَوْجَبُوا النارَ بذُنُوبِهم، فيَشْفَعُ لهم أن لا يَدْخُلُوها.
الرابعُ: شفاعتُه في العُصاةِ من أهلِ التوحيدِ، الذين يَدْخُلُونَ النارَ بذُنوبِهم. والأحاديثُ بها مُتواتِرَةٌ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ-، وقد أَجْمَعَ عليها الصحابةُ وأهلُ السنَّةِ قَاطِبَةً، وبَدَّعُوا مَن أَنْكَرَها، وصاحُوا به مِن كلِّ جانبٍ، ونادَوْا عليه بالضلالِ.
الخامسُ: شَفاعتُه لقومٍ من أهلِ الْجَنَّةِ، في زِيادةِ ثَوابِهم ورِفعةِ دَرَجَاتِهم. وهذه مِمَّا لم يُنازِعْ فيها أَحَدٌ.
وكُلُّها مُخْتَصَّةٌ بأهلِ الإخلاصِ، الذين لم يَتَّخِذُوا من دُونِ اللهِ وَليًّا ولا شَفيعًا، كما قالَ تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الذِينَ يَخَافونَ أَن يُحْشَروا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفيعٌ} . [الأنعام:51] .