فهرس الكتاب
وقدْ ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ عنْ بَعْضِ أهلِ زَمانِهِ أَنَّهُ جَوَّزَ الاستغاثةَ بالرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كلِّ ما يُسْتَغَاثُ فيهِ باللَّهِ، وصَنَّفَ في ذلكَ مُصَنَّفًا رَدَّهُ شيخُ الإسلامِ. ورَدُّهُ موجودٌ بحَمْدِ اللَّهِ. ويَقولُ: إنَّهُ يَعْلَمُ مَفاتيحَ الغَيْبِ التي لا يَعلمُها إلَّا اللَّهُ. وذَكَرَ عنهم أشياءَ منْ هذا النَّمَطِ. نَعوذُ باللَّهِ منْ عَمَى البصيرةِ، وقد اشْتُهِرَ في نَظْمِ البُوصِيرِيِّ قولُهُ:
يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ ما لي مَنْ أَلُوذُ * بهِ سِوَاكَ عندَ حُلُولِ الحادِثِ الْعَمَمِ
وما بعدَهُ من الأبياتِ التي مَضمونُها إخلاصُ الدعاءِ واللِّياذِ والرجاءِ والاعتمادِ في أَضْيَقِ الحالاتِ وأَعْظَمِ الاضطرارِ لغيرِ اللَّهِ، فنَاقَضُوا الرسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بارتكابِ ما نَهَى عنهُ أَعْظَمَ مُناقَضَةٍ، وشَاقُّوا اللَّهَ ورَسولَهُ أَعظمَ مُشَاقَّةٍ، وذلكَ أنَّ الشيطانَ أَظْهَرَ لهم هذا الشرْكَ العَظيمَ في قالَبِ مَحَبَّةِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتَعظيمِهِ، وأَظْهَرَ لهم التوحيدَ والإِخلاصَ الذي بَعَثَهُ اللَّهُ بهِ في قالَبِ تَنْقِيصِهِ، وهؤلاءِ الْمُشرِكونَ هم الْمُتَنَقِّصُونَ الناقِصونَ، أَفْرَطُوا في تَعظيمِهِ بما نَهاهُم عنه أَشَدَّ النهيِ، وفَرَّطوا في مُتابَعَتِهِ فلَمْ يَعْبَأُوا بأقوالِهِ وأَفعالِهِ، ولا رَضُوا بحُكْمِهِ ولا سَلَّمُوا لهُ، وإنَّما يَحْصُلُ تعظيمُ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتعظيمِ أَمْرِهِ ونَهْيِهِ، والاهتداءِ بِهَدْيِهِ، واتِّباعِ سُنَّتِهِ، والدعوةِ إلى دِينِهِ الذي دَعَا إليهِ ونُصْرَتِهِ؛ ومُوالاةِ مَنْ عَمِلَ بهِ، ومُعاداةِ مَنْ خالَفَهُ. فَعَكَسَ أولئكَ الْمُشرِكونَ ما أَرادَ اللَّهُ ورَسولُهُ عِلْمًا وعَمَلًا، وارْتَكَبوا ما نَهَى عنهُ ورسولُهُ. فاللَّهُ الْمُستعانُ.
قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ ) ).
هذا الحديثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بدُونِ ذِكْرِ رَاوِيهِ. وقدْ رَواهُ الإِمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ وابنُ مَاجَهْ منْ حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ.
وهذا لفظُ رِوايَةِ أحمدَ: عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَداةَ جَمْعٍ: (( هَلُمَّ الْقُطْ لِي ) ). فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الخَذْفِ. فلَمَّا وَضَعَهُنَّ في يَدِهِ قالَ: (( نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا. وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ ) ).
قالَ شيخُ الإِسلامِ: هذا عامٌّ في جميعِ أنواعِ الغُلُوِّ في الاعتقاداتِ والأعمالِ. وسَببُ هذا اللفظِ العامِّ رَمْيُ الْجِمارِ؛ وهوَ دَاخلٌ فيهِ؛ مِثْلُ الرميِ بالْحِجارةِ الكِبارِ؛ بِناءً على أَنَّهُ أَبْلَغُ من الصِّغارِ. ثمَّ عَلَّلَهُ بما يَقْتَضِي مُجانَبَةَ هَدْيِ مَنْ كانَ قَبْلَنا إِبعادًا عن الوُقوعِ فيما هَلَكُوا بهِ؛ فإنَّ الْمُشارِكَ لهم في بعضِ هَدْيِهم يُخافُ عليهِ من الْهَلاكِ.
قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (ولِمُسْلِمٍ عن ابنِ مَسعودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ) )، قالَها ثَلاثًا).
قالَ الْخَطَّابيُّ: الْمُتَنَطِّعُ: الْمُتَعَمِّقُ في الشيءِ، الْمُتَكَلِّفُ البَحْثَ عنهُ على مَذاهبِ أهلِ الكلامِ الداخلينَ فيما لا يَعْنِيهِمْ، الخائضينَ فيما لا تَبْلُغُهُ عقولُهم.
ومِن التَّنَطُّعِ: الامتناعُ من الْمُباحِ مُطْلَقًا، كالَّذِي يَمْتَنِعُ منْ أَكْلِ اللحْمِ والْخُبْزِ، ومِنْ لُبْسِ الْكَتَّانِ والقُطْنِ، ولا يَلْبَسُ إلَّا الصوفَ، ويَمتَنِعُ منْ نِكاحِ النساءِ، ويَظُنُّ أنَّ هذا من الزُّهْدِ الْمُستَحَبِّ. قالَ الشيحُ تَقِيُّ الدينِ: فهذا جاهلٌ ضالٌّ. انْتَهَى.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: قالَ الغَزَالِيُّ: والْمُتَنَطِّعُونَ في البحثِ والاستقصاءِ.
وقالَ أبو السَّعاداتِ: هم الْمُتَعَمِّقُونَ الغَالُونَ في الكلامِ، الْمُتكلِّمونَ بأَقْصَى حُلُوقِهم. مَأْخُوذٌ من النَّطْعِ، وهوَ الغارُ الأَعْلَى من الْفَمِ، ثمَّ اسْتُعْمِلَ في كلِّ مُتَعَمِّقٍ قَوْلًا وفِعْلًا.