فهرس الكتاب
ومنها: مَعْرِفَةُ جِبِلَّةِ الإنسانِ في كونِ الحقِّ يَنْقُصُ في قَلْبِهِ، والباطِلُ يَزِيدُ؛ أيْ: في الغَالِبِ.
ومنها: أنَّ فيها شاهِدًا لمَا نُقِلَ عنْ بعضِ السلَفِ: أنَّ البِدْعَةَ سَبَبُ الكُفْرِ، وأنَّها أَحَبُّ إلى إبليسَ مِن المعصيَةِ؛ لأنَّ المَعْصِيَةَ قدْ يُتَابُ منها، والبِدْعَةُ لا يُتَابُ مِنها.
ومنها: مَعْرِفَةُ الشيطانِ بما تَؤُولُ إليهِ البِدْعَةُ، ولوْ حَسُنَ قَصْدُ الفاعِلِ.
ومنها: مَعْرِفَةُ القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، وهيَ النهيُ عن الغُلُوِّ، ومَعْرِفَةُ ما يَؤُولُ إليهِ؛ أيْ: مِن الشِّرْكِ.
ومنها: النهيُ عن التماثيلِ، والحِكْمَةُ في إزالَتِهَا.
ومنها: مَعْرِفَةُ عِظَمِ شَأنِ هذهِ القِصَّةِ وشِدَّةِ الحاجَةِ إليها معَ الغَفْلَةِ عنها.
ومنها؛ وهي أَعْجَبُ: قِر َاءَتُهم إيَّاها في كُتُبِ التفسيرِ والحديثِ، ومَعْرِفَتُهُم لمعنى الكلامِ وكونِ اللَّهِ تعالى حالَ بينَ قلوبِهِم، حتَّى اعْتَقَدُوا أنَّ فِعْلَ قومِ نوحٍ هوَ أفْضَلُ العِبَادَةِ، واعْتَقَدُوا أنَّ نَهْيَ اللَّهِ ورسولِهِ هوَ الكفرُ المُبِيحُ للدَمِ والمالِ.
يعني: لوْ نَهَاهُم ناهٍ بِنَهْيِ اللَّهِ لهمْ عن الشركِ لكَفَّرُوهُ واسْتَحَلُّوا دَمَهُ ومالَهُ بذلكَ.
ومنها: التصريحُ بأنَّهُم لمْ يُرِيدوا إلَّا الشفاعةَ.
ومنها: ظَنُّهُم أنَّ الذينَ صَوَّرُوا الصُّوَرَ أرادُوا ذلكَ.
ومنها: التَّصْرِيحُ بأنَّها لم تُعْبَدْ حتَّى نُسِيَ العِلْمُ. ففيها: مَعْرِفَةُ قَدْرِ وُجُودِهِ ومَضَرَّةُ فَقْدِهِ.
ومنها: أنَّ سبَبَ فَقْدِ العِلْمِ موتُ العُلَمَاءِ. انتهَى.
ومنها: رَدُّ الشُّبَهِ التي يُسَمِّيهَا أهلُ الكلامِ عَقْلِيَّاتٍ، ويَدْفَعونَ بها ما جَاءَ بهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ منْ تَوحيدِ الصِّفاتِ، وإثباتِهَا على ما يَليقُ بجَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وكِبريائِهِ.
ومنها: مَضَرَّةُ التقليدِ.
ومنها: ضَرورةُ الأُمَّةِ إلى ما جاءَ بهِ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا وعَمَلًا بما يَدُلُّ عليهِ الكتابُ والسُّنَّةُ؛ فإنَّ ضَرورةَ العَبْدِ إلى ذلكَ فَوقَ كلِّ ضَرورةٍ.
(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وعنْ عُمرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قالَ:(( لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ) ). أَخْرَجَاهُ).
قولُهُ: (عنْ عُمرَ) ، هوَ ابنُ الْخَطَّابِ بنِ نُفَيْلٍ -بِنُونٍ وفَاءٍ مُصَغَّرًا- العَدَوِيُّ أميرُ المؤمنينَ، وأَفْضَلُ الصَّحابةِ بعدَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم. وَلِيَ الْخِلافةَ عَشْرَ سِنينَ ونِصْفًا، فامْتَلَأَت الدنيا عَدْلًا، وفُتِحَتْ في أيَّامِهِ مَمَالِكُ كِسْرى وقَيْصَرَ. واسْتُشْهِدَ في ذي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وعِشرينَ.
قولُهُ: (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَت النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ) . الإطراءُ مُجاوَزَةُ الْحَدِّ في الْمَدْحِ والكَذِبِ عليهِ. قالَهُ أبو السَّعاداتِ. وقالَ غيرُهُ: أيْ لا تَمْدَحُونِي بالباطلِ، ولا تُجاوِزُوا الحدَّ في مَدْحِي.
قولُهُ: (إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) ؛ أيْ: لا تَمْدَحُونِي فتَغْلُوا في مَدْحِي كما غَلَت النَّصارَى في عِيسَى عليهِ السلامُ فادَّعَوْا فيهِ الإِلَهِيَّةَ. وإنَّما أنا عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ، فَصِفُونِي بذلكَ كما وَصَفَنِي رَبِّي، فقُولُوا عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ. فأَبَى الْمُشرِكونَ إلَّا مُخالَفَةَ أَمْرِهِ وارْتكابَ نَهْيِهِ، وعَظَّمُوهُ بما نَهَاهُم عنهُ وحَذَّرَهم منهُ، وناقَضُوهُ أَعظمَ مُناقَضَةٍ، وضَاهَوا النَّصارَى في غُلُوِّهم وشِرْكِهم، ووَقَعُوا في الْمَحذورِ، وجَرَى منهم من الْغُلُوِّ والشرْكِ شِعرًا ونثرًا ما يَطولُ عَدُّهُ؛ وصَنَّفُوا فيهِ مُصَنَّفَاتٍ.