فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 339

قولُهُ: (وقالَ ابنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ) ، هوَ الإمامُ العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بنُ أبي بكرِ بنِ أَيُّوبَ الزُّرَعِيُّ الدِّمشقيُّ المعروفُ بابنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ. قالَ الحافظُ السَّخَاويُّ: العَلَّامَةُ الْحُجَّةُ الْمُتَقَدِّمُ في سَعَةِ العِلْمِ ومَعرِفةِ الْخِلافِ وقُوَّةِ الْجَنَانِ، الْمُجْمَعُ عليهِ بينَ الْمُوافِقِ والمُخَالِفِ، صاحِبُ التصانيفِ السائرةِ والْمَحَاسِنِ الْجَمَّةِ. ماتَ سَنَةَ إحدى وخَمسينَ وسَبْعِمائةٍ.

قولُهُ: (قالَ غيرُ واحدٍ من السَّلَفِ) ، هوَ بمعنى ما ذَكَرَهُ البخاريُّ وابنُ جَريرٍ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ عُكوفَهم على قُبورِهم قَبلَ تَصويرِهم تَماثِيلَهم. وذلكَ منْ وَسائلِ الشرْكِ، بلْ هوَ شرْكٌ؛ لأنَّ العُكوفَ للَّهِ في المساجِدِ عِبادةٌ. فإذا عَكَفُوا على القُبورِ صارَ عُكوفُهم تَعظيمًا ومَحَبَّةً عِبادةً لها.

قولُهُ: (ثمَّ طالَ عليهم الأَمَدُ فعَبَدُوهم) ؛ أيْ: طالَ عليهم الزمانُ. وسببُ تلكَ العِبادةِ والْمُوَصِّلُ إليها هوَ ما جَرَى من الأَوَّلِينَ من التعظيمِ بالعُكوفِ على قُبورِهم، ونَصْبِ صُوَرِهم في مَجالسِهم؛ فصَارَتْ بذلكَ أَوْثانًا تُعْبَدُ منْ دُونِ اللَّهِ، كما تَرْجَمَ بهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، فإنَّهُم تَرَكُوا بذلكَ دِينَ الإسلامِ الذي كانَ أُولئكَ عليهِ قَبلَ حُدوثِ وَسائلِ هذا الشِّرْكِ، وكَفَرُوا بعِبادةِ تلكَ الصُّوَرِ واتَّخَذوهم شُفعاءَ. وهذا أوَّلُ شِرْكٍ حَدَثَ في الأرضِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وإنَّما صَوَّرَ أوائِلُهم الصُّوَرَ ليَتَأَسَّوْا بهم ويَتَذَكَّرُوا أفعالَهم الصالحةَ، فيَجْتَهِدُوا كاجتهادِهم، ويَعْبُدوا اللَّهَ عندَ قُبورِهم. ثمَّ خَلَفَهُمْ قومٌ جَهِلُوا مُرادَهم، فوَسْوَسَ لهم الشيطانُ أنَّ أَسلافَهم كانوا يَعبدُونَ هذهِ الصُّوَرَ ويُعَظِّمُونَها. انتهَى.

قالَ ابنُ الْقَيِّمِ: وما زَالَ الشَّيطانُ يُوحِي إلى عُبَّادِ القُبورِ ويُلْقِي إليهم أنَّ البِناءَ والعُكوفَ عليها منْ مَحَبَّةِ أهلِ القُبورِ من الأنبياءِ والصالحينَ، وأنَّ الدُّعاءَ عندَها مُسْتَجَابٌ، ثمَّ يَنْقُلُهم منْ هذهِ الْمَرْتَبَةِ إلى الدُّعاءِ بِهِ، والإقسامِ على اللَّهِ بِهِ، فإنَّ شَأْنَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أنْ يُقسَمَ عليهِ، أوْ يُسأَلَ بأَحَدٍ منْ خَلْقِهِ.

فإذا تَقَرَّرَ ذلكَ عندَهم نَقَلَهم منهُ إلى دُعائِهِ وعِبادتِهِ؛ وسُؤالِهِ الشَّفاعةَ منْ دُونِ اللَّهِ، واتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَثَنًا تُعَلَّقُ عليهِ القَنادِيلُ والسُّتُورُ، ويُطافُ بهِ ويُسْتَلَمُ ويُقَبَّلُ، وَيُحَجُّ إليهِ ويُذْبَحُ عندَهُ. فإذا تَقَرَّرَ ذلكَ عندَهم نَقَلَهم منهُ إلى دُعاءِ الناسِ إلى عِبادتِهِ، واتِّخاذِهِ عِيدًا ومَنْسَكًا، ورَأَوْا أنَّ ذلكَ أَنْفَعُ لهم في دُنياهُم وأُخْرَاهُم. وكلُّ هذا مِمَّا قدْ عُلِمَ بالاضطرارِ منْ دِينِ الإسلامِ أَنَّهُ مُضادٌّ لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بهِ رَسولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ تَجديدِ التوحيدِ؛ وأنْ لا يُعْبَدَ إلَّا اللَّهُ.

فإذا تَقَرَّرَ ذلكَ عندَهم نَقَلَهم منهُ إلى أنَّ مَنْ نَهَى عنْ ذلكَ فقدْ تَنَقَّصَ أهلَ هذهِ الرُّتَبِ العاليَةِ، وَحَطَّهُم عنْ مَنْزِلَتِهم، وزَعَم أَنَّهُ لا حُرْمَةَ لهم ولا قَدْرَ، فغَضِبَ المشرِكونَ واشْمَأَزَّتْ قُلُوبُهم كما قالَ تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] . وسَرَى ذلكَ في نُفوسِ كثيرٍ من الْجُهَّالِ والطَّغامِ وكثيرٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلى العِلْمِ والدِّينِ، حتَّى عَادَوْا أهلَ التوحيدِ ورَمَوْهُم بالعظائمِ ونَفَّرُوا الناسَ عنهم، ووَالَوْا أَهلَ الشرْكِ وعَظَّمُوهم، وزَعَمُوا أَنَّهُم أَولياءُ اللَّهِ وأنصارُ دِينِهِ ورَسولِهِ، ويَأْبَى اللَّهُ ذلكَ {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34] . اهـ كلامُ ابنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وفي القِصَّةِ فَوائدُ ذَكَرَها الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ مِنْهَا: أنَّ مَنْ فَهِمَ هذا البابَ وما بعدَهُ تَبَيَّنَ لهُ غُرْبَةُ الإسلامِ، ورأَى مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وتَقْلِيبِهِ القلوبَ العَجَبَ.

ومنها: أنَّ أوَّلَ شِرْكٍ حَدَثَ في الأرضِ سبَبُهُ مَحَبَّةُ الصالِحِينَ؛ أي: المَحَبَّةُ التي فيها غُلُوٌّ.

ومنها: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شَيءٍ غُيِّرَ بِهِ دينُ الأنبياءِ.

ومنها: مَعْرِفَةُ سَبَبِ قَبُولِ البِدَعِ معَ كونِ الشرائِعِ والفِطَرِ تُنْكِرُهَا، وأنَّ سَبَبَ ذلكَ كلِّهِ مَزْجُ الحقِّ بالباطِلِ، بأمريْنِ:

الأَوَّلُ: مَحَبَّةُ الصالحينَ. والثاني: فِعْلُ أُنَاسٍ مِنْ أهلِ العِلْمِ والدينِ شيئًا أرَادُوا بِهِ خيرًا، فَظَنَّ مَنْ بعدَهم أَنَّهم أرادوا غَيْرَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت