فهرس الكتاب
(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (في الصحيحِ عن ابنِ عَبَّاسٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ، قالَ: هذهِ أَسماءُ رِجالٍ صالحينَ مِنْ قَوْمِ نوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيطانُ إلى قَوْمِهِمْ: أَن انصِبُوا إِلى مَجالِسِهم الَّتي كانوا يَجْلِسونَ فيها أَنْصابًا وَسَمُّوها بِأسْمَائِهِم. فَفعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتى إِذا هَلَكَ أُولئكَ وَنُسِيَ العِلْمُ عُبِدَتْ) .
قولُهُ: (في الصحيحِ) ؛ أيْ: صحيحِ البخاريِّ.
وهذا الأَثَرُ اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ. ولفْظُ ما في البخاريِّ: عن ابنِ عبَّاسٍ:"صارَت الأوثانُ الَّتي فِي قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ بَعْدُ. أمَّا (وَدٌّ) فكانَتْ لِكَلبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ. وأمَّا (سُواعٌ) فَكانَتْ لِهُذَيلٍ. وأمَّا (يَغُوثُ) فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بالْجُرْفِ عِندَ سَبأٍ. وأمَّا (يَعوقُ) فكانتْ لِهَمْدَانَ. وأمَّا (نَسْرٌ) فكانت لِحِمْيَرَ لآلِ ذي الكَلاعِ. أسماءُ رِجالٍ صَالحينَ في قَوْمِ نُوحٍ"إلى آخِرِهِ.
ورَوَى عِكرمةُ والضَّحَّاكُ وابنُ إسحاقَ نحوَ هذا.
قالَ ابنُ جَريرٍ: حَدَّثَنَا ابنُ حُمَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا مِهرانُ، عنْ سُفيانَ، عنْ موسى، عنْ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسٍ،"أنَّ يَغوثَ ويَعُوقَ وَنَسْرًا كانوا قَوْمًا صَالحينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وكانَ لهم أَتباعٌ يَقْتَدونَ بهم. فلَمَّا ماتُوا قالَ أصحابُهم: لوْ صَوَّرْنَاهُمْ كان أَشْوَقَ لنا إلى العِبادةِ. فصَوَّرُوهُمْ، فلَمَّا مَاتُوا وجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إليهم إِبليسُ فقالَ: إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَهم، وبهم يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ. فعَبَدُوهُمْ".
قولُهُ: (أَن انْصِبُوا) ، هوَ بِكَسْرِ الصادِ الْمُهْمَلَةِ.
قولُهُ: (أَنْصابًا) ، جَمْعُ نَصْبٍ، والمرادُ بهِ هنا الأصنامُ الْمُصَوَّرَةُ على صُوَرِ أولئكَ الصالحينَ التي نَصَبُوها في مَجالسِهم، وسَمَّوْها بأسمائِهم. وفي سِياقِ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ ما يَدُلُّ على أنَّ الأصنامَ تُسَمَّى أَوْثانًا. فاسْمُ الْوَثَنِ يَتناوَلُ كلَّ مَعبودٍ منْ دُونِ اللَّهِ، سواءٌ كانَ ذلكَ الْمَعبودُ قَبْرًا أوْ مَشْهَدًا أوْ صُورةً أوْ غَيرَ ذلكَ.
قولُهُ: (حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ) ؛ أي: الذينَ صَوَّروا تلكَ الأصنامَ.
قولُهُ: (وَنُسِيَ العِلْمُ) . ورِوايَةُ البخاريِّ (وَتَنَسَّخَ) . وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ و (نُسِخَ العِلْمُ) ؛ أيْ دَرَسَتْ آثارُهُ بذَهابِ العُلماءِ، وعَمَّ الْجَهْلُ حتَّى صَارُوا لا يُمَيِّزُونَ بينَ التوحيدِ والشرْكِ، فوَقَعُوا في الشرْكِ ظنًّا منهم أَنَّهُ يَنْفَعُهم عندَ اللَّهِ.
قولُهُ: (عُبِدَتْ) . لَمَّا قالَ لهم إبليسُ: إنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكم كانوا يَعبدونَهم وبهم يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ، هوَ الذي زَيَّنَ لهم عِبادةَ الأصنامِ وأَمَرَهم بها، فصارَ هوَ مَعبودَهم في الحقيقةِ، كما قالَ تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: 60 - 62] . وهذا يُفيدُ الْحَذَرَ من الْغُلُوِّ ووسائلِ الشرْكِ، وإنْ كانَ القَصْدُ بها حَسَنًا؛ فإنَّ الشيطانَ أَدْخَلَ أولئكَ في الشِّرْكِ مِنْ بابِ الْغُلُوِّ في الصالحينَ والإفراطِ في مَحَبَّتِهم، كما قدْ وَقَعَ مِثلُ ذلكَ في هذهِ الأُمَّةِ، أَظْهَرَ لهم الْبِدَعَ والْغُلُوَّ في قالَبِ تَعظيمِ الصالحينَ ومَحَبَّتِهم، ليُوقِعَهم فيما هوَ أَعظَمُ منْ ذلكَ؛ منْ عِبادتِهم لهمْ منْ دُونِ اللَّهِ. وفي روايَةٍ: (( أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا عَظَّمَ أَوَّلُنَا هَؤُلَاءِ إِلَّا وَهُمْ يَرْجُونَ شَفَاعَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) )؛ أيْ: يَرْجُونَ شَفاعةَ أولئكَ الصالحينَ الذينَ صَوَّرُوا تلكَ الأصنامَ على صُوَرِهِمْ وسَمَّوْهَا بأسمائِهم. ومِنْ هنا يُعْلَمُ أنَّ اتِّخاذَ الشُّفعاءِ ورَجاءَ شَفاعَتِهم بطَلَبِها منهم شِرْكٌ باللَّهِ، كما تَقَدَّمَ بيانُهُ في الآياتِ الْمُحْكَمَاتِ.
(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقالَ ابنُ القيِّمِ:"قالَ غَيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ: لَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَماثِيلَهُمْ، ثُمَّ طالَ عَلَيْهِم الأَمَدُ فَعَبَدوهُمْ") .