فهرس الكتاب
19 بابُ
ما جاءَ من التغليظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صالِحٍ فَكَيْفَ إِذا عَبَدَهُ؟ (1)
في الصَّحيحِ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنّ أمّ سَلَمةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ الله صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّم كَنيسةً رأتها بِأرْضِ الحَبَشَةِ، وَما فِيها مِنَ الصُّوَرِ، فقالَ: (( أُولئِكَ إِذا ماتَ فِيهِم الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أوِ العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّروا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولئِكَ شِرارُ الخلْقِ عِنْدَ اللهِ ) ) (2) .
فَهَؤلاءِ جَمَعُوا بَيْنَ الفِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةِ القُبُورِ، وَفِتْنَةِ التَّماثِيل (3) .
وَلَهُما عَنْها، قالتْ:"لَما نُزِلَ بِرَسُولِ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ علَى وَجْهِهِ، فَإذا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَها، فَقَالَ-وَهُوَ كَذَلكَ: (( لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى، اتَّخَذوا قُبُورَ أَنْبيائِهِم مَسَاجِدَ ) )، يُحذِّر مَا صَنَعُوا، وَلَوْلا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أن يُتَّخذَ مَسْجِدًا"أخرجاهُ (4) .
(1) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (بابُ ما جاءَ مِن التغليظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللَّهَ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صالِحٍ، فَكَيْفَ إِذا عَبَدَهُ؟)
أي: الرجلَ الصالحَ؛ فإنَّ عبادَتَهُ هيَ الشرِكُ الأكبرُ، وعبادةُ اللَّهِ عندَهُ وسيلةٌ إلى عبادتِهِ، ووسائِلُ الشركِ محرَّمَةٌ؛ لأنَّها تُؤَدِّي إلى الشركِ الأكبرِ، وهوَ أعظمُ الذنوبِ.
(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (في الصحيحِ عنْ عائشةَ رضِيَ اللَّهُ عنها، أنَّ أمَّ سَلَمةَ ذَكَرَتْ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيها مِن الصُّوَرِ، فَقَالَ:(( أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ. أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ ) ). فهؤلاءِ جمعوا بينَ الفتنتيْنِ؛ فتنةِ القبورِ وفتنةِ التماثيلِ).
قولُهُ: (في الصحيحِ) ؛ أي: الصحيحيْنِ.
قولُهُ: (أنَّ أُمَّ سلَمَةَ) ، هيَ هنْدُ بنتُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المغيرةِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ بنِ مَخْزُومٍ القُرَشِيَّةُ المخزوميَّةُ. تزوَّجَهَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدَ أبي سلَمَةَ سنَةَ أرْبَعٍ، وقيلَ: ثلاثٍ. وكانَتْ قدْ هاجَرَتْ معَ أبي سلَمَةَ إلى الحبشةِ، ماتَتْ سنَةَ اثْنَتَيْنِ وستِّينَ.
قولُهُ: (ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ) . وفي الصحيحيْنِ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا ذَلِكَ لِرسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والكَنِيسَةُ بفتحِ الكافِ وكسرِ النونِ: مَعْبَدُ النَّصَارَى.
قولُهُ: (أُولَئِكِ) ، بكسرِ الكافِ، خِطَابٌ للمرأَةِ.
قولُهُ: (إِذَا مَاتَ فِيهِم الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ) . هذا واللَّهُ أعلمُ شكٌّ مِنْ بعضِ رُوَاةِ الحديثِ: هلْ قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا أوْ هذا؟ ففيهِ التحرِّي في الروايَةِ، وجوازُ الروايَةِ بالمعنى.
قولُهُ: (وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ) ، الإشارةُ إلى ما ذكَرَتْ أُمُّ سلَمَةَ وأُمُّ حبيبةَ من التصاويرِ التي في الكنيسةِ.
قولُهُ: (أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ) ، وهذا يقتضي تحريمَ بناءِ المساجِدِ على القبورِ، وقدْ لُعِنَ مَنْ فَعَلَ ذلكَ كما سيأتي.
قالَ البيْضَاويُّ: لما كانَت اليَهودُ والنصارَى يَسْجُدُونَ لقبورِ الأنبياءِ؛ تعظيمًا لشأنِهم، ويجعَلُونَها قبلةً يتوجَّهونَ في الصلاةِ نحوَها، واتَّخذُوهَا أوثانًا لَعَنَهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.