فهرس الكتاب
قالَ القُرْطُبِيُّ: وإنَّما صوَّرَ أوائِلُهم الصورَ ليتأسَّوْا بها ويَتَذَكَّرُوا أفعالَهم الصالحةَ، فيجتهِدُوا كاجتهادِهم؛ ويَعْبُدُوا اللَّهَ عندَ قبورِهِم. ثمَّ خلَفَهم قومٌ جَهِلوا مُرَادَهم ووسوسَ لهم الشيطانُ أنَّ أسلافَهم كانوا يعبدونَ هذهِ الصورَ ويُعَظِّمونَها. فحذَّرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ مثلِ ذلكَ؛ سدًّا للذريعةِ المؤدِّيَةِ إلى ذلكَ.
(3) قولُهُ: (فهؤلاءِ جَمَعُوا بينَ الفتنتيْنِ؛ فتنةِ القبورِ وفتنةِ التماثيلِ) . هذا مِنْ كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ، ذكَرَهُ المصنِّفُ رحمَهُ اللَّهُ تنبيهًا على ما وَقَعَ مِنْ شدَّةِ الفتنةِ بالقبورِ والتماثيلِ؛ فإنَّ الفتنةَ بالقبورِ كالفتنةِ بالأصنامِ أوْ أشدُّ.
قالَ شيخُ الإسلامِ رحمَهُ اللَّهُ: وهذهِ العِلَّةُ -التي لأجلِها نهى الشارِعُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن اتِّخاذِ المساجدِ على القبورِ- هيَ التي أَوْقَعَتْ كثيرًا مِن الأممِ إمَّا في الشركِ الأكبرِ أوْ فيما دونَهُ مِن الشِّركِ؛ فإنَّ النفوسَ قدْ أشرَكَتْ بتماثيلِ الصالحينَ وتماثيلَ يَزْعُمُونَ أنَّها طلاسِمُ الكواكِبِ ونحوِ ذلكَ؛ فإنَّ الشِّركَ بقبرِ الرجلِ الذي يُعْتَقَدُ صلاحُهُ أقرَبُ إلى النفوسِ من الشركِ بخشبةٍ أوْ حجرٍ، ولهذا تجِدُ أهلَ الشركِ يَتَضَرَّعُونَ عندَها، ويَخْشَعُونَ ويَخْضَعُونَ، ويعبدونَ بقلوبِهم عبادةً لا يفعَلُونَها في بيوتِ اللَّهِ ولا وقتَ السَّحَرِ، ومنهم مَنْ يسجُدُ لها، وأكثرُهُم يَرْجُونَ مِنْ بركةِ الصلاةِ عنْدَها والدعاءِ ما لا يرجونَهُ في المساجدِ. فلأجلِ هذهِ المفسدةِ حسَمَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مادَّتَها، حتَّى نَهَى عن الصلاةِ في المقبرةِ مُطْلَقًا، وإنْ لمْ يقصِد المُصَلِّي بركَةَ البُقْعَةِ بصلاتِهِ، كما يقْصِدُ بصلاتِهِ بركَةَ المساجدِ. كما نَهَى عن الصلاةِ وقتَ طلوعِ الشمسِ وغروبِها؛ لأنَّها أوقاتٌ يقصِدُ فيها المشركونَ الصلاةَ للشمسِ، فنَهَى أُمَّتَهُ عن الصلاةِ حينئذٍ وإنْ لم يُقْصَدُ ما قَصَدَهُ المشركونَ؛ سدًّا للذريعةِ. وأمَّا إذا قصَدَ الرجلُ الصلاةَ عندَ القبورِ متبرِّكًا بالصلاةِ في تلكَ البقعةِ فهذا عينُ المحادَّةِ للَّهِ ولرسولِهِ، والمخالفةُ لدينِهِ، وابتداعُ دينٍ لمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؛ فإنَّ المسلمينَ قدْ أجمعوا على ما عَلِموهُ بالاضْطِرارِ منْ دينِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنَّ الصلاةَ عندَ القبورِ مَنْهِيٌّ عنها، وأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَنَ من اتَّخذَها مساجِدَ. فمِنْ أعظمِ المُحْدَثَاتِ وأسبابِ الشركِ الصلاةُ عنْدَها واتِّخاذُها مساجِدَ، وبناءُ المساجِدِ عليها. وقدْ تواتَرَت النصوصُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنَّهْيِ عنْ ذلكَ والتغليظِ فيهِ. وقدْ صرَّحَ عامَّةُ الطوائفِ بالنَّهْيِ عنْ بناءِ المساجِدِ عليها مُتَابَعَةً منهم للسُّنَّةِ الصحيحةِ الصريحةِ. وصرَّحَ أصحابُ أحمدَ وغيرُهُم منْ أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ بتحريمِ ذلكَ. وطائفةٌ أطلقَت الكراهةَ، والذي ينْبَغِي أن تُحْمَلَ على كراهةِ التحريمِ؛ إحسانًا للظَنِّ بالعلماءِ، وأنْ لا يُظَنَّ بهم أنْ يُجَوِّزُوا فِعْلَ ما تَوَاتَرَ عنْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعْنُ فاعِلِهِ والنهيُ عنهُ. انتهَى كلامُهُ رحمَهُ اللَّهُ تعالى.
(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَهُمَا عنها -أَيْ: عنْ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها- قالَتْ: لَمَّا نُزِلَ بِرسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ علَى وَجْهِهِ، فَإِذا اغتَمَّ بِها كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذلِكَ:(( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) ). يُحَذِّرُ ما صنَعوا. وَلَوْلا ذَلِكَ أَبْرَزَ قَبرَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا أَخْرَجَاهُ).
قولُهُ: (وَلَهُمَا) ؛ أي: البخاريِّ ومسلمٍ. وهوَ يُغْنِي عنْ قولِهِ في آخرِهِ: (أَخْرَجَاهُ) .
قولُهُ: (لَمَّا نُزِلَ) ، هوَ بضمِّ النونِ وكسرِ الزَّايِ؛ أيْ: نَزَلَ بهِ مَلَكُ الموتِ والملائكةُ الكِرامُ عليهم السلامُ.
قولُهُ: (طَفِقَ) ، بكسرِ الفاء وفتْحِها. والكسرُ أفصحُ، وبهِ جاءَ القرآنُ، ومعناهُ جَعَلَ.
قولُهُ: (خَمِيصَةً) ، بفتحِ المعجمةِ والصادِ المهملَةِ. كِساءٌ لهُ أعلامٌ.
قولُهُ: (فَإِذا اغتَمَّ بِها كَشَفَهَا) ؛ أيْ: عنْ وجهِهِ.
قولُهُ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) . يُبَيِّنُ أنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذلكَ حلَّ عليهِ من اللعنةِ ما حلَّ على اليهودِ والنصارَى.