فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 339

السادسة عشرة: الإشارةُ إِلى خِلافَتِهِ.

(1) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يقولُ:(( إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَليلٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ) )).

قولُهُ: (عَنْ جُنْدُبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ) ؛ أي: ابنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ، ويُنْسَبُ إلى جدِّهِ. صحابيٌّ مشهورٌ ماتَ بعدَ الستِّينَ.

قولُهُ: (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ) ؛ أيْ: أمتَنِعُ عمَّا لا يجوزُ لي أنْ أفعَلَهُ. والخُلَّةُ فوقَ المَحَبَّةِ. والخليلُ هوَ المحبوبُ غايَةَ الحبِّ، مشتقٌّ من الخَلَّةِ -بفتحِ الخاءِ- وهيَ تَخَلُّلُ المَوَدَّةِ في القلبِ، كما قالَ الشاعِرُ:

قدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الخليلُ خليلَا

هذا هوَ الصحيحُ في مَعْناها، كمَا ذكرَهُ شيخُ الإِسلامِ وابنُ القيِّمِ وابنُ كثيرٍ وغيرُهم رحِمَهم اللَّهُ تعالَى.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وإنَّما كانَ ذلكَ؛ لأنَّ قَلْبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد امتلأَ مِنْ محبَّةِ اللَّهِ وتعظيمِهِ ومعرفتِهِ، فلا يَسَعُ خُلَّةَ غيرِهِ.

قولُهُ: (فَإنَّ اللَّهَ قَد اتَّخَذَنِي خَلِيلًا) ، فيهِ بيانُ أنَّ الخُلَّةَ فوقَ المحبَّةِ.

قالَ ابنُ القيِّمِ رحِمَهُ اللَّهُ: وأمَّا ما يَظُنُّهُ بعضُ الغالِطينَ منْ أنَّ المحبَّةَ أكملُ من الْخُلَّةِ، وأنَّ إبراهيمَ خليلُ اللَّهِ؛ ومحمَّدًا حبيبُ اللَّهِ، فمِنْ جهلِهِم؛ فإنَّ المحبَّةَ عامَّةٌ، والخُلَّةَ خاصَّةٌ، وهيَ نهايَةُ المحبةِ. وقدْ أخبرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ اللَّهَ قد اتَّخَذَهُ خليلًا، ونفَى أنْ يكونَ لهُ خليلٌ غَيْرَ ربِّهِ؛ معَ إخبارِهِ بحُبِّهِ لعائشةَ ولأَبِيها، ولِعُمَرَ بنِ الخطَّابِ، ومُعَاذِ بنِ جبَلٍ وغيرِهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم. وأيضًا فإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ، ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ، ويُحِبُّ الصابرينَ، وخُلَّتُهُ خاصَّةٌ بالخليلَيْنِ.

قولُهُ: (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) ، فيهِ بيانُ أنَّ الصِّدِّيقَ أفضلُ الصحابةِ. وفيهِ الردُّ على الرافِضَةِ وعلى الجَهْمِيَّةِ؛ وهما شَرُّ أَهْلِ البدَعِ، وأخرَجَهُم بعضُ السلَفِ من الثِّنْتَيْنِ والسبعينَ فِرْقَةً. وبسببِ الرافِضَةِ حدَثَ الشِّركُ وعبادةُ القبورِ، وهمْ أوَّلُ مَنْ بنَى عليها المساجِدَ. قالَهُ المُصَنِّفُ، وهوَ كمَا قالَ بلا رَيْبٍ.

وفيهِ إشارةٌ إلى خلافَةِ أبي بكْرٍ؛ لأنَّ مَنْ كانَتْ محبَّتُهُ لشخصٍ أشدَّ كانَ أوْلَى بِهِ منْ غيْرِهِ. وقد استخلَفَهُ على الصلاةِ بالنَّاسِ. وغَضِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قِيلَ: يُصَلِّي بِهِم عُمَرُ، وذلكَ في مَرَضِهِ الذي تُوُفِّيَ فيهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وسلامُهُ عليهِ.

واسمُ أبي بكْرٍ: عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ عامرِ بنِ عمرِو بنِ كعْبِ بنِ سعْدِ بنِ تَيْمِ بن مُرَّةَ، الصِّدِّيقُ الأكبرُ، خليفةُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأفضلُ الصحابةِ بإجماعِ مَنْ يُعْتَدُّ بقولِهِ مِنْ أهلِ العِلْمِ. ماتَ في جُمَادَى الأُولَى سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ، ولهُ ثلاثٌ وسِتُّونَ سنةً، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قولُهُ: (أَلَا) ، حرفُ استفتاحٍ. (أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) الحديثَ. قالَ الْخَلْخَالِيُّ: وإِنْكَارُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صنيعَهم هذا يَخْرُجُ على وجهيْنِ:

أحدُهُما: أنَّهم يَسْجُدُونَ لقبورِ الأنبياءِ تعظيمًا لَهم.

الثاني: أنَّهم يُجَوِّزُونَ الصلاةَ في مدافنِ الأنبياءِ والتوجُّهَ إليها حالَةَ الصلاةِ؛ نظرًا منهم بذلكَ إلى عبادةِ اللَّهِ والمبالغةِ في تعظيمِ الأنبياءِ. والأوَّلُ هوَ الشِّركُ الجلِيُّ. والثاني الخفيُّ؛ فلذلكَ استحقُّوا اللَّعْنَ.

(2) قولُهُ: (فَقَدْ نَهى عَنْهُ في آخِرِ حَيَاتِهِ) ؛ أيْ: كما في حديثِ جُنْدُبٍ. وهذا مِنْ كلامِ شيخِ الإسلامِ. وكذا ما بعدَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت