فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 339

قولُهُ (ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ في السِّيَاقِ- مَنْ فَعَلَهُ) ، كما في حديثِ عائشةَ.

قُلْتُ: فكيفَ يَسُوغُ بعدَ هذا التغليظِ مِنْ سيِّدِ المرسلينَ أنْ تُعَظَّمَ القبورُ ويُبْنَى عليها، ويُصلَّى عنْدَها وإلَيْهَا؟ هذا أعظمُ مُشَاقَّةٍ ومُحَادَّةٍ للَّهِ تعالَى ولرسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ لوْ كانُوا يَعْقِلُونَ.

قولُهُ: (الصَّلاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ) ؛ أيْ: مِن اتِّخَاذِها مساجِدَ، الملعونُ فاعِلُهُ.

وهذا يقتَضِي تحريمَ الصلاةِ عندَ القبورِ وإليها.

وعنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مرفوعًا: (( الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ ) ). رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ.

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمَهُ اللَّهُ تعالَى: وبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ لهُ معرِفَةٌ بالشرْكِ وأسبابِهِ وذرائِعِهِ، وَفَهِمَ عنْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقاصِدَهُ، جَزَمَ جزْمًا لا يحتمِلُ النقيضَ أنَّ هذهِ المبالغةَ واللَّعنَ والنهيَ بصيغتَيْهِ؛ صيغةِ (لَا تَفْعَلُوا) ، وصيغةِ (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) ، ليسَ لأجلِ النجاسةِ، بلْ هوَ لأجلِ نجاسةِ الشِّركِ اللاحِقَةِ لِمَنْ عَصَاهُ، وارتَكَبَ ما عنهُ نهاهُ، واتَّبعَ هواهُ؛ ولمْ يَخْشَ ربَّهُ ومولاهُ، وَقَلَّ نصيبُهُ أوْ عُدِمَ منْ (لا إلهَ إلَّا اللَّهُ) ؛ فإنَّ هذا وأمثالَهُ من النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِيَانَةٌ لِحِمَى التوحيدِ أنْ يَلْحَقَهُ الشركُ ويَغْشَاهُ، وتجريدٌ لهُ وغضَبٌ لربِّهِ أنْ يَعْدِلَ بهِ سِوَاهُ. فأبَى المشركونَ إلَّا معصيَةً لأمرِهِ وارتكابًا لنهيِهِ؛ وَغَرَّهُم الشيطانُ بأنَّ هذا تعظيمٌ لقبورِ المشايخِ والصالحينَ. وكلَّمَا كُنْتُمْ لها أشدَّ تعظيمًا وأشدَّ فيهم غُلُوًّا كُنْتُمْ بقُرْبِهم أسعدَ، ومِنْ أعدائِهم أبعدَ. ولعَمْرُ اللَّهِ، مِنْ هذا البابِ دَخَلَ على عُبَّادِ يَعُوقَ ويَغُوثَ ونَسْرٍ، ودخَلَ على عُبَّادِ الأصنامِ منذُ كانوا إلى يومِ القيامةِ. فَجَمَعَ المشركونَ بيْنَ الغُلُوِّ فيهم والطعنِ في طريقتِهِم، فهدى اللَّهُ أهلَ التوحيدِ لسلوكِ طريقَتِهِم وإنزالِهم منازِلَهم التي أنْزَلَهم اللَّهُ إيَّاها مِن العبوديَّةِ وسلْبِ خصائِصِ الإلهيَّةِ عنهم.

قالَ الشارِحُ: ومِمَّنْ علَّلَ بِخَوْفِ الفتنةِ بالشركِ الإِمامُ الشافعيُّ، وأبو بكرٍ الأَثْرَمُ، وأبو محمَّدٍ المَقْدِسِيُّ، وشيخُ الإِسلامِ، وغيرُهم. وهوَ الحقُّ الذي لا ريبَ فيهِ.

قولُهُ: (فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا) ؛ أيْ: لِمَا عَلِمُوا مِنْ تشديدِهِ في ذلكَ وتغليظِهِ، وَلَعْنِ مَنْ فَعَلَهُ.

قولُهُ: (وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُصِدَت الصَّلاةُ فِيهِ فَقَد اتُّخِذَ مَسْجِدًا) ؛ أيْ: وإنْ لمْ يُبْنَ مسجِدٌ، بلْ كُلُّ موضعٍ يُصَلَّى فيهِ يُسَمَّى مسجِدًا؛ يعني: وإنْ لم يُقْصَدْ بذلكَ، كما إذا عَرَضَ لِمَنْ أرادَ أنْ يُصَلِّيَ فأوقعَ الصلاةَ في ذلكَ الموضعِ الذي حانَت الصلاةُ عندَهُ مِنْ غيرِ أنْ يقصِدَ ذلكَ الموضِعَ بخصوصِهِ، فصارَ بفعلِ الصلاةِ فيهِ مسجِدًا.

قولُهُ (كمَا قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ) ))؛ أيْ: فَسَمَّى الأرضَ مسجِدًا، تَجُوزُ الصلاةُ في كلِّ بُقْعَةٍ منها إلَّا ما استثنَى من المواضِعِ التي لا تجوزُ الصلاةُ فيها؛ كالمقبرَةِ ونحْوِها.

قالَ البَغَوِيُّ في شرحِ السُّنَّةِ: أرادَ أنَّ أهلَ الكتابِ لمْ تُبَحْ لهم الصلاةُ إلَّا في بِيَعَهِم وكنائِسِهِم؛ فأباحَ اللَّهُ لهذهِ الأمَّةِ الصلاةَ حيثُ كانوا؛ تخفيفًا عليهم وتيسيرًا. ثمَّ خَصَّ مِنْ جميعِ المواضِعِ الحمَّامَ والمقبرةَ والمكانَ النَّجِسَ. انتهى.

(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (ولأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَن ابنِ مَسْعودٍ مَرْفُوعًا:(( إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ ) ). روَاهُ أَبُو حاتِمٍ وابنُ حِبَّانَ في صحيحِهِ).

قولُهُ: (إنَّ مِنْ شِرارِ النَّاسِ) ، بكسرِ الشينِ، جمعُ شِرِّيرٍ.

قولُهُ: (مَنْ تُدْرِكُهُم السَّاعةُ وَهُمْ أَحْياءٌ) ؛ أيْ: مُقَدِّمَاتُها، كَخُرُوجِ الدابَّةِ، وطُلُوعِ الشمسِ منْ مَغْرِبِها، وبعدَ ذلكَ يُنْفَخُ في الصُّورِ نَفْخَةُ الفَزَعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت