فهرس الكتاب
قولُهُ: (وَالَّذينَ يَتَّخِذُونَ القُبورَ مَساجِدَ) ، معطوفٌ على خَبَرِ إنَّ في مَحَلِّ نَصْبٍ على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامِلِ؛ أيْ: ومِنْ شِرارِ الناسِ الذينَ يتَّخِذُونَ القبورَ مساجِدَ؛ أيْ: بالصلاةِ عندَها وإليها، وبناءِ المساجِدِ عليها. وتَقَدَّمَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أنَّ هذا مِنْ عَمَلِ اليهودِ والنَّصارى، وأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَنَهم على ذلكَ؛ تحذيرًا للأمَّةِ أنْ يَفْعَلُوا معَ نَبِيِّهِم وصالحِيهِم مِثْلَ اليهودِ والنصارَى. فمَا رَفَعَ أكثرُهم بذلكَ رأسًا؛ بل اعْتَقَدُوا أنَّ هذا الأمْرَ قُرْبَةٌ للَّهِ تعالَى، وهوَ مِمَّا يُبْعِدُهم عن اللَّهِ ويطْرُدُهم عنْ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ. والعجَبُ أنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ مِمَّنْ هوَ مِنْ هذهِ الأمَّةِ لا يُنْكِرونَ ذلكَ، بلْ رُبَّمَا اسْتَحْسَنُوهُ ورَغَّبُوا في فِعْلِهِ؛ فلَقَد اشْتَدَّتْ غُرْبَةُ الإِسلامِ وعادَ المعروفُ مُنْكَرًا والمنْكَرُ مَعْرُوفًا، والسُّنَّةُ بِدْعَةً والبِدْعَةُ سُنَّةً، نَشَأَ على هذا الصغيرُ، وهَرِمَ عليهِ الكبيرُ.
قالَ شيخُ الإِسلامِ رحمَهُ اللَّهُ: أمَّا بِنَاءُ المسَاجِدِ على القُبورِ فقدْ صرَّحَ عامَّةُ الطوائِفِ بالنَّهْيِ عنهُ؛ مُتَابَعَةً للأحاديثِ الصحيحةِ. وصرَّحَ أصحابُنا وغيرُهم منْ أصحابِ مالِكٍ والشافِعِيِّ بتحريمِهِ. قالَ: ولا رَيْبَ في القَطْعِ بتحريمِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الأحاديثَ في ذلكَ (إلى أنْ قالَ) : وهذهِ المساجِدُ المَبْنِيَّةُ على قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ أو الملوكِ وغيرِهم تتعيَّنُ إِزَالَتُها بهدْمٍ أوْ غيرِهِ. هذا مِمَّا لا أعْلَمُ فيهِ خِلافًا بينَ العلماءِ المعروفينَ.
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ هَدْمُ القِبَابِ التي بُنِيَتْ على القبورِ؛ لأنَّها أُسِّسَت على مَعْصِيَةِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدْ أَفْتَى جماعةٌ مِن الشافعيَّةِ بهدْمِ ما في القَرافَةِ من الأبْنِيَةِ، منهم ابنُ الجُمَّيزِيِّ والظَّهِيرُ والتَّرْمَنْتيُّ وغيرُهما.
وقالَ القاضِي ابنُ كَجٍّ: ولا يجوزُ أنْ يُجَصَّصَ القُبُورُ، ولا أنْ يُبْنَى عليها قِبابٌ ولا غيرُ قِبَابٍ، والوصيَّةُ بها باطِلَةٌ.
وقال الأَذْرَعِيُّ: وأمَّا بُطْلانُ الوصيَّةِ ببناءِ القِبَابِ وغيرِها من الأبنيَةِ وإنْفَاقِ الأموالِ الكثيرةِ؛ فلا ريْبَ في تحريمِهِ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ في حديثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ أَوْ يُبْنَى عَلَيهِ": وبظاهِرِ هذا الحديثِ قالَ مالِكٌ، وكَرِهَ البِناءَ والجَصَّ على القبورِ، وقدْ أجازَهُ غيرُهُ، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهِ.
وقالَ ابنُ رُشْدٍ: كَرِهَ مَالِكٌ البناءَ على القَبْرِ، وجَعَلَ البلاطةَ المكْتوبةَ، وهوَ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الطَّوْلِ، أحْدَثُوهُ إرادةَ الفَخْرِ والمُبَاهَاةِ والسُّمْعَةِ. وهوَ ممَّا لا اخْتِلافَ فيهِ.
وقالَ الزَّيْلَعِيُّ في شَرْحِ الكَنْزِ: ويُكْرَهُ أنْ يُبنَى على القَبْرِ. وذكَرَ قاضِي خَانْ: أنَّهُ لا يُجَصَّصُ القبرُ ولا يُبْنَى عليهِ؛ لِمَا رُوِيَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ نهَى عن التَّجْصِيصِ والبناءِ فوقَ القبْرِ. والمرادُ بالكَرَاهَةِ عندَ الحنَفِيَّةِ كرَاهَةُ التَّحْرِيمِ. وقدْ ذَكَرَ ذلكَ ابنُ نُجَيْمٍ في شرحِ الكَنْزِ.
وقالَ الشافعيُّ رحِمَهُ اللَّهُ: أَكْرَهُ أنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا؛ مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عليهِ وعلى مَنْ بَعْدَهُ مِن الناسِ. وكلامُ الشافعيِّ رحِمَهُ اللَّهُ يُبَيِّنُ أنَّ مُرَادَهُ بالكراهَةِ كراهَةُ التحريمِ.
قال الشارِحُ رحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وجَزَمَ النَّوَوِيُّ رحِمَهُ اللَّهُ في شرحِ المُهَذَّبِ بتحْرِيمِ البناءِ مُطْلَقًا، وذَكَرَ في شرْحِ مُسْلِمٍ نحوَهُ أيضًا.
وقالَ أبو محمَّدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ قُدَامَةَ إمامُ الحنابِلَةِ صاحِبُ المصنَّفَاتِ الكِبَارِ؛ كالْمُغْنِي والكَافِي: ولا يجوزُ اتِّخَاذُ المسَاجِدِ على القبورِ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ) )الحديثَ. وقَدْ رُوِّينَا أنَّ ابْتِدَاءَ عِبادةِ الأصنامِ: تعظيمُ الأمواتِ، واتِّخاذُ صُوَرِهِم، والتَّمَسُّحُ بها، والصلاةُ عندَها. انْتَهَى.