فهرس الكتاب
قالَ شيخُ الإِسلامِ رحِمَهُ اللَّهُ: وأمَّا المقبرةُ فلا فَرْقَ فيها بينَ الجديدةِ والعَتِيقَةِ، انْقَلَبَت تُرْبَتُها أوْ لمْ تَنْقَلِبْ. ولا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ بينَهُ وبينَ الأرضِ حائِلٌ أوْ لا؛ لِعُمُومِ الاسمِ وعُمُومِ العِلَّةِ، ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الذينَ اتَّخَذُوا قُبورَ أنْبيائِهِم مسَاجِدَ. ومعلومٌ أنَّ قبورَ الأنبياءِ لا تَنْجُسُ.
وبالْجُمْلَةِ فمَنْ علَّلَ النَّهْيَ عن الصلاةِ في المقبرةِ بنجاسةِ التُّربَةِ خاصَّةً؛ فهوَ بعيدٌ عنْ مقْصُودِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثمَّ لا يَخْلُو أنْ يكونَ القبرُ قدْ بُنِيَ عليهِ مَسْجِدٌ، فلا يُصَلَّى في هذا المسجِدِ، سواءٌ كانَ خَلْفَ القَبْرِ أوْ أَمَامَهُ بغيرِ خِلافٍ في المَذَاهِبِ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ) )، وخصَّ قبورَ الأنبياءِ والصالحينَ؛ لأنَّ عُكُوفَ الناسِ على قبورِهِم أعظمُ، واتِّخَاذَها مساجِدَ أشَدُّ. وكذلكَ إنْ لَمْ يكُنْ بُنِيَ عليهِ مسجِدٌ، فهذا قد ارْتَكَبَ حقيقةَ المفْسَدَةِ التي كانَ النَّهْيُ عن الصلاةِ عندَ القبورِ مِنْ أجْلِها، فإنَّ كلَّ مكانٍ صُلِّيَ فيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ) )، وإنْ كانَ مَوْضِعَ قبرٍ أوْ قَبْرَيْنِ.
وقالَ بعضُ أصحابِنا: لا يَمْنَعُ الصلاةَ فيها؛ لأنَّهُ لا يَتَنَاوَلُها اسمُ المقبرةِ. وليسَ في كلامِ أحمَدَ ولا بَعْضِ أصحابِهِ هذا الفَرْقُ، بلْ عُمُومُ كلامِهِم يَقْتَضِي مَنْعَ الصلاةِ عندَ كلِّ قَبْرٍ.
وقدْ تَقَدَّمَ عنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ:"لَا أُصَلِّي في حَمَّامٍ ولا عِنْدَ قَبْرٍ".
فعَلى هذا يكونُ النَّهيُ مُتَنَاوِلًا لِحَرِيمِ القبرِ وفِنَائِهِ، ولا تجوزُ الصلاةُ في مَسْجِدٍ بُنِيَ في مَقْبَرَةٍ، سواءٌ كانَ لهُ حِيطَانٌ تَحْجِزُ بينَهُ وبينَ القُبُورِ أوْ كانَ مَكْشُوفًا.
قالَ في روايَةِ الأَثْرَمِ: إذا كانَ المسجِدُ بينَ القُبُورِ لا يُصلَّى فيهِ الفَريضَةُ، وإنْ كانَ بيْنَها وبينَ المسْجِدِ حاجِزٌ فَرَخَّصَ أنْ يُصَلَّى فيهِ على الجنَائِزِ، ولا يُصَلَّى فيهِ على غيرِ الجنائِزِ. وذكَرَ حديثَ أبي مَرْثَدٍ عَن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ ) )، وقالَ: إسنادُهُ جَيِّدٌ. انتَهَى.
ولوْ تَتَبَّعْنَا كلامَ العلماءِ في ذلكَ لاحْتَمَلَ عِدَّةَ أَوْرَاقٍ. فتبيَّنَ بهذا أنَّ العلماءَ رحِمَهم اللَّهُ بيَّنُوا أنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ مَا يُؤَدِّي إليهِ ذلكَ من الغُلُوِّ فيها، وعبادتِها منْ دونِ اللَّهِ كمَا هوَ الواقِعُ. واللَّهُ المُسْتَعَانُ.
وقدْ حَدَثَ بعدَ الأَئِمَّةِ ومَنْ يُعْتَدُّ بقولِهم أُنَاسٌ كَثُرَ في أبوابِ العلْمِ باللَّهِ اضْطِرابُهُمْ، وغَلُظَ عنْ مَعْرِفَةِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رسولَهُ مِن الهُدَى والعِلْمِ حِجَابُهُم، فقيَّدُوا نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ بقيودٍ أوْهَنَت الانْقِيادَ، وغَيَّرُوا بها ما قصَدَهُ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنهيِ وأرادَ. فقالَ بعضُهُم: النهيُ عن البناءِ على القبورِ يَخْتَصُّ بالمقْبَرَةِ المُسْبَلَةِ، والنهيُ عن الصلاةِ فيها لِتَنَجُّسِهَا بصَديدِ الموْتَى، وهذا كُلُّهُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
منها: أنَّهُ مِن القولِ على اللَّهِ بلا عِلْمٍ. وهوَ حرامٌ بِنَصِّ الكتابِ.
ومنها: أنَّ ما قالَهُ لا يَقْتَضِي لعْنَ فاعِلِهِ والتغليظَ، وما المانِعُ لهُ أنْ يقولَ: مَنْ صلَّى في بُقْعَةٍ نَجِسَةٍ فعليهِ لعنةُ اللَّهِ. ويَلْزَمُ على ما قالَهُ هؤلاءِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمْ يُبَيِّن العِلَّةَ، وأحالَ الأمَّةَ في بيانِها على مَنْ يَجِيءُ بعدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعدَ القرونِ المفضَّلَةِ والأئمَّةِ. وهذا باطِلٌ قَطْعًا وعَقْلًا وشَرْعًا؛ لِمَا يَلْزَمُ عليهِ مِنْ أنَّ الرسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجَزَ عن البيانِ أوْ قَصَّرَ في البلاغِ. وهذا منْ أَبْطَلِ الباطِلِ؛ فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلَّغَ البلاغَ المُبينَ، وقُدْرَتُهُ في البيانِ فَوقَ قُدْرَةِ كُلِّ أَحَدٍ، فَإِذا بَطَلَ اللازِمُ بَطَلَ الملزومُ.