فهرس الكتاب
يتكلَّمَ بلفظٍ مُجْمَلٍ يدلُّ على معنًى فاسدٍ، بخلافِ الصلاةِ عليهِ والسلامِ؛ فإنَّ ذلكَ ممَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ. أمَّا لفظُ الزيارةِ في عمومِ القبورِ فلا يُفْهَمُ منها مثلُ هذا المعنى. ألا ترَى إلى قولِهِ: (( فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ ) )، معَ زيارتِهِ لقبرِ أُمِّهِ؛ فإنَّ هذا يتناولُ قبورَ الكفَّارِ. فلا يُفْهَمُ مِنْ ذلكَ زيارةُ الميِّتِ لدعائِهِ وسؤالِهِ والاستغاثَةِ بهِ ونحوُ ذلكَ ممَّا يفعلُهُ أهلُ الشِّرْكِ والبِدَعِ؛ بخلافِ ما إذا كانَ المزُورُ مُعَظَّمًا في الدينِ كالأنبياءِ والصالحينَ، فإنَّهُ كثيرًا ما يُعْنَى بزيارةِ قُبُورِهِم هذهِ الزيارةَ البدعيَّةَ الشركيَّةَ؛ فلهذا كرِهَ مالكٌ ذلكَ في مِثْلِ هذا، وإنْ لمْ يَكْرَهْ ذلكَ في موضعٍ آخَرَ ليسَ فيهِ هذهِ المفسدةُ. انتهَى.
وفيهِ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمْ يستعِذْ إلَّا مِمَّا يخافُ وقوعَهُ. ذكرَهُ المصنِّفُ رحِمَهُ اللَّهُ تعالَى.
(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (ولابْنِ جَريرٍ بِسَنَدِهِ، عَنْ سُفيانَ، عنْ منصورٍ، عنْ مُجاهِدٍ، {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم: 19] ، قالَ:"كانَ يَلُتُّ لَهُم السَّوِيقَ، فَمَاتَ، فَعَكَفُوا علَى قَبْرِهِ". وكذا قالَ أبو الجَوْزَاءِ عن ابنِ عبَّاسٍ: كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ للحَاجِّ.
قولُهُ: (ولابنِ جريرٍ) ، هوَ الإِمامُ الحافِظُ محمَّدُ بنُ جريرِ بنِ يزيدَ الطبريُّ، صاحِبُ التفسيرِ والتاريخِ وغيْرِهما. قالَ ابنُ خُزَيْمَةَ: لا أعلمُ على الأرضِ أعلمَ مِنْ محمَّدِ بنِ جريرٍ، وكانَ من المجتهدينَ لا يُقَلِّدُ أحدًا. ولهُ أصحابٌ يتفقَّهونَ على مذهَبِهِ ويأخذونَ بأقوالِهِ. وُلِدَ سنَةَ أربَعٍ وعشرينَ ومائتيْنِ؛ وماتَ لِيَوْمَيْنِ بَقِيَا مِنْ شَوَّالٍ سنَةَ عَشْرٍ وثلاثِمائةٍ.
قولُهُ: (عنْ سُفيانَ) ، الظاهِرُ: أنَّهُ سُفيانُ بنُ سعيدِ بنِ مسروقٍ الثوريُّ أبو عبدِ اللَّهِ الكُوفيُّ، ثِقَةٌ حافِظٌ فقيهٌ إِمَامٌ عابِدٌ كانَ مجتهِدًا؛ ولهُ أتباعٌ يتفقَّهونَ على مذهبِهِ. ماتَ سنَةَ إحْدَى وستِّينَ ومائةٍ، ولهُ أربعٌ وستُّونَ سنَةً.
قولُهُ: (عنْ منصورٍ) ، هوَ ابنُ المعْتَمِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، ثِقَةٌ ثَبَتٌ فقيهٌ. ماتَ سنَةَ اثنتيْنِ وثلاثينَ ومائةٍ.
قولُهُ: (عنْ مُجاهِدٍ) ، هوَ ابنُ جَبْرٍ-بالْجِيمِ وَالمُوَحَّدةِ-أبو الحجَّاجِ المخزوميُّ مَوْلاهُم المَكِّيُّ، ثِقَةٌ إمامٌ في التفسيرِ، أخذَ عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم. ماتَ سنَةَ أربَعٍ ومائَةٍ، قالَهُ يحيَى القطَّانُ، وقالَ ابنُ حِبَّانَ: ماتَ سنةَ اثنتيْنِ أوْ ثلاثٍ ومائةٍ وهوَ ساجِدٌ. وُلِدَ سنَةَ إِحْدَى وعشرينَ في خلافةِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قولُهُ: (كانَ يَلُتُّ لَهُم السَّويقَ، فماتَ، فَعَكَفُوا علَى قَبْرِهِ) ، في روايَةٍ:"فَيُطْعِمُ مَنْ يَمَرُّ مِن النَّاسِ. فلمَّا ماتَ عَبَدُوهُ وقالُوا: هُوَ اللَّاتُّ". رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ.
ومُنَاسَبَتُهُ للترْجَمَةِ: أنَّهم غَلَوْا فيهِ لصلاحِهِ حتَّى عَبَدُوهُ وصارَ قبرُهُ وثنًا منْ أوثانِ المشركينَ.
(3) قولُهُ: (وكذا قالَ أبو الجَوْزاءِ) ، هوَ أَوْسُ بنُ عبدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ، بفتحِ الراءِ والباءِ، ماتَ سنةَ ثلاثٍ وثمانينَ.
قالَ البخاريُّ: حدَّثَنَا مسلِمٌ وهوَ ابنُ إبراهيمَ، حدَّثَنَا أبو الأشْهَبِ، حدَّثَنَا أبو الجوزاءِ، عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ:"كانَ اللَّاتُّ رَجُلًا يَلُتُّ سَويقَ الحَاجِّ".
قالَ ابنُ خُزَيْمَةَ: وكذا العُزَّى، وكانَتْ شجرةً عليها بناءٌ وأستارٌ بنخلةَ، بينَ مَكَّةَ والطائِفِ، كانَتْ قريشٌ يُعَظِّمونَها، كما قالَ أبو سفيانَ يومَ أُحُدٍ:"لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لَكُم".
(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ:"لَعَنَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زائِراتِ القُبورِ، والمتَّخِذينَ عَلَيْها المساجِدَ والسُّرُجَ". رواهُ أهْلُ السُّننِ) .
قُلْتُ: وفي البابِ حديثُ أبي هُريرةَ وحديثُ حسَّانَ بنِ ثابِتٍ. فأمَّا حديثُ أبي هريرةَ فرواهُ أحمدُ والتِّرمِذيُّ وصحَّحَهُ، وحديثُ حسانَ أخرجَهُ ابنُ مَاجَهْ مِنْ روايَةِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ، عنْ أبيهِ قالَ:"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ القُبورِ".