فهرس الكتاب
وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ هذا في إسنادِهِ أبو صالِحٍ موْلَى أمِّ هانِئٍ، وقدْ ضعَّفَهُ بعضُهم ووثَّقَهُ بعضُهم. قالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، عنْ يحيَى القطَّانِ: لمْ أرَ أحدًا مِنْ أصحابِنا تَرَكَ أبَا صالحٍ موْلَى أمِّ هانِئٍ، وما سَمِعْتُ أحدًا من الناسِ يقولُ فيهِ شيئًا، ولمْ يترُكْهُ شُعْبَةُ ولا زائِدَةُ ولا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ. وقالَ ابنُ مَعِينٍ: ليسَ بِهِ بأسٌ؛ ولهذا أخرَجَهُ ابنُ السَّكَنِ في صحيحِهِ. انتَهى مِن الذَهَبِ الإِبْرِيزِ عن الحافظِ الْمِزِّيِّ.
قال شيخُ الإِسلامِ: وقدْ جاءَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ طريقَيْنِ: فَعَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ. وذكَرَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ، ثمَّ قالَ: ورِجَالُ هذا ليسَ رِجَالَ هذا، فلَمْ يأخُذْهُ أحدُهُما عن الآخَرِ. وليسَ في الإِسناديْنِ منْ يُتَّهَمُ بالْكَذِبِ. ومثْلُ هذا حُجَّةٌ بلا رَيْبٍ. وهذا منْ أَجْوَدِ الحَسَنِ الذي شَرَطَهُ التِّرمِذِيُّ؛ فإنَّهُ جعَلَ الحسَنَ ما تعدَّدَتْ طُرُقُهُ ولمْ يكُنْ فيهِ مُتَّهَمٌ، ولمْ يكُنْ شاذًّا؛ أيْ: مُخَالِفًا لما ثَبَتَ بِنَقْلِ الثِّقَاتِ. وهذا الحديثُ تعدَّدتْ طرُقُهُ، وليسَ فيها متَّهَمٌ، ولا خالَفَهُ أحدٌ من الثِّقاتِ، هذا لوْ كانَ عنْ صاحبٍ واحدٍ، فكيفَ إِذا كانَ هذا رَوَاهُ عنْ صاحِبٍ وذاكَ عنْ آخَرَ؟ فهذا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أنَّ الحديثَ في الأصلِ معروفٌ.
والذينَ رخَّصُوا في الزيارةِ اعتَمَدوا على مَا رُوِيَ عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّها زارَتْ قبرَ أخِيها عبدِ الرحمنِ وقالَتْ:"لَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ". وهذا يدلُّ على أنَّ الزيارةَ ليسَتْ مُسْتَحَبَّةً للنساءِ كمَا تُسْتَحَبُّ للرِّجَالِ؛ إذْ لوْ كانَ كذلكَ لاسْتَحَبَّتْ زيارتَهُ، سواءٌ شهِدَتْهُ أمْ لَا.
قلتُ: فعلى هذا لا حُجَّةَ فيهِ لمَنْ قالَ بالرُّخْصَةِ.
وهذا السياقُ لحديثِ عائشةَ رواهُ الترمذيُّ منْ روايَةِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي مُلَيْكَةَ عنها، وهوَ يُخَالِفُ سياقَ الأثرمِ لهُ، عنْ عبد اللَّهِ بنِ أبي مُلَيْكَةَ أيضًا، أنَّ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَقْبَلَتْ ذاتَ يومٍ من المَقَابِرِ، فقلتُ لها: يا أُمَّ المؤمنينَ؛ أليسَ نَهَى رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ زيارةِ القبورِ؟ فقالَتْ:"نَعَم، نَهَى عنْ زيارةِ القبورِ، ثمَّ أمرَ بزيارَتِها".
فأجابَ شيخُ الإِسلامِ عنْ هذا وقالَ: ولا حُجَّةَ في حديثِ عائشةَ؛ فإنَّ المُحْتَجَّ عليها احتجَّ بالنهيِ العامِّ، فدفَعَتْ ذلكَ بأنَّ النَّهيَ مَنْسُوخٌ، ولمْ يَذْكُرْ لها المحتجُّ النهيَ الخاصَّ بالنساءِ الذي فيهِ لَعْنُهُنَّ على الزيارةِ. يُبَيِّنُ ذلكَ قولُها"قدْ أَمَرَ بزيارَتِها". فهذا يُبَيِّنُ أنَّهُ أَمَرَ بها أمرًا يقتضي الاستحبابَ. والاستحبابُ إنَّما هوَ ثابتٌ للرجالِ خاصَّةً. ولوْ كانَتْ تعتَقِدُ أنَّ النساءَ مأموراتٌ بزيارَةِ القبورِ لكانَتْ تَفْعلُ ذلكَ كَمَا يفعَلُهُ الرجالُ ولمْ تَقُلْ لأخِيها:"لَمَا زُرْتُكَ". واللَّعْنُ صريحٌ في التحريمِ. والخطابُ بالإِذْنِ في قولِهِ: (( فَزُورُوهَا ) )، لمْ يتناول النساءَ، فلمْ يَدْخُلْنَ في الحكْمِ الناسخِ. والعامُّ إذا عُرِفَ أنَّهُ بعدَ الخاصِّ لم يكُنْ ناسِخًا لهُ عندَ جمهورِ العلماءِ. وهوَ مذهبُ الشافعِيِّ وأحمدَ في أَشْهَرِ الروايتيْنِ عنهُ، وهوَ المعروفُ عندَ أصحابِهِ، فكيفَ إذا لمْ يُعْلَمْ أنَّ هذا العامَّ بعدَ الخاصِّ؟ إذْ قدْ يكونُ قولُهُ: (( لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ) )، بعدَ إذْنِهِ للرجالِ في الزيارةِ. يدلُّ على ذلكَ أنَّهُ قَرَنَهُ بالمُتَّخِذِينَ علَيْها المساجدَ والسُّرُجَ. ومعلومٌ أنَّ اتِّخَاذَ المساجدِ والسُّرُجِ المنهيَّ عنهُ مُحْكَمٌ، كمَا دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ الصحيحةُ. وكذلكَ الآخَرُ.
والصحيحُ أنَّ النساءَ لمْ يَدْخُلْنَ في الإِذنِ في زيارةِ القبورِ؛ لعدَّةِ أَوْجُهٍ:
أحدُها: أنَّ قولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فَزُورُوهَا ) )، صيغةُ تذكيرٍ. وإنَّما يتناولُ النساءَ أيضًا على سبيلِ التغليبِ. لكنْ هذا فيهِ قولانِ، قيلَ: إنَّهُ يَحْتَاجُ إلى دليلٍ مُنْفَصِلٍ، وحينئذٍ فيحتاجُ تناولُ ذلكَ للنساءِ إلى دليلٍ مُنْفَصِلٍ. وقيلَ: إنَّهُ يُحْمَلُ على ذلكَ عندَ الإِطلاقِ. وعلى هذا؛ فيكونُ دخولُ النساءِ بطريقِ العمومِ الضعيفِ، والعامُّ لا يُعَارِضُ الأدلَّةَ الخاصَّةَ ولا يَنْسَخُها عندَ جمهورِ العلماءِ. ولوْ كانَ النساءُ داخلاتٍ في هذا الخطابِ لاسْتُحِبَّ لهنَّ الزيارةُ للقبورِ. وما علِمْنَا أحدًا مِن الأئمَّةِ استَحَبَّ لهنَّ زيارةَ القبورِ، ولا كانَ النساءُ على عهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفائِهِ الراشدينَ يَخْرُجْنَ إلى زيارةِ القبورِ.