فهرس الكتاب
ومنها: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّلَ الإِذنَ للرجالِ بأنَّ ذلكَ (( يُذَكِّرُ الْمَوْتَ، وَيُرَقِّقُ الْقَلْبَ، وَتَدْمَعُ الْعَيْنُ ) )، هكذا في مُسْنَدِ أحمدَ. ومعلومٌ أنَّ المرأةَ إذا فُتِحَ لها هذا البابُ أخرَجَها إلى الجزَعِ والندْبِ والنياحةِ؛ لِمَا فيها من الضعفِ وقلَّةِ الصبْرِ. وإذا كانَتْ زيارةُ النساءِ مَظِنَّةً وسببًا للأمورِ المحرَّمَةِ؛ فإنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُحَدَّ المقدارُ الذي لا يُفْضِي إلى ذلكَ؛ ولا التمييزُ بينَ نوعٍ ونوعٍ. ومِنْ أُصُولِ الشريعَةِ أنَّ الحِكْمَةَ إذا كانَتْ خَفِيَّةً أوْ مُنْتَشِرَةً عُلِّقَ الحُكْمُ بمَظِنَّتِها. فيُحَرَّمُ هذا البابُ سدًّا للذريعَةِ، كما حُرِّمَ النظرُ إلى الزِّينَةِ الباطنةِ، وكما حُرِّمَ الخَلْوَةُ بالأجنبيَّةِ وغيرُ ذلكَ. وليسَ في ذلكَ من المصلحةِ ما يُعَارِضُ هذهِ المفسدةَ؛ فإنَّهُ ليسَ في ذلكَ إلَّا دُعَاؤُها للميِّتِ، وذلكَ مُمْكِنٌ في بيتِها.
ومن العلماءِ مَنْ يقولُ: التَّشْيِيعُ كذلكَ، ويَحْتَجُّ بقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ؛ فَإِنَّكُنَّ تَفْتِنَّ الْحَيَّ وَتُؤْذِينَ الْمَيِّتَ ) )، وقولِهِ لفاطمةَ: (( أَمَا إِنَّكِ لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى لَمْ تَدْخُلِي الْجَنَّةَ ) ). ويُؤَيِّدُهُ ما ثبتَ في الصحيحيْنِ مِنْ أَنَّهُ نَهى النِّسَاءَ عَن اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. ومعلومٌ أنَّ قولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ ) )، هوَ أَدَلُّ على العمومِ منْ صيغةِ التذكيرِ؛ فإنَّ لفظَ (مَنْ) يتناولُ الرجالَ والنساءَ باتِّفاقِ الناسِ. وقدْ عُلِمَ بالأحاديثِ الصحيحةِ أنَّ هذا العمومَ لمْ يتناول النساءَ؛ لنهيِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُنَّ عن اتِّباعِ الجنائزِ. فإذا لمْ يَدْخُلْنَ في هذا العمومِ فكذلكَ في ذلكَ بطريقِ الأَوْلَى. انتَهَى ملخَّصًا.
قلتُ: [ويكونُ الإِذنُ في زيارةِ القبورِ مخصوصًا للرجالِ. خُصَّ بقولِهِ: (( لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ) )الحديثَ، فيكونُ من العامِّ المخصوصِ.] [1]
وعمَّا اسْتَدَلَّ بهِ القائلونَ بالنَّسْخِ أَجْوِبَةٌ أيضًا:
منها: أنَّ ما ذَكَرُوهُ عنْ عائشةَ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مُعَارِضٌ لما وَرَدَ عنهما في هذا البابِ؛ فلا يَثْبُتُ بهِ النسخُ.
ومنها: أنَّ قولَ الصحابيِّ وفِعْلَهُ ليسَ حُجَّةً على الحديثِ بلا نِزَاعٍ، وأمَّا تعليمُهُ عائشةَ كيفَ تقولُ إذا زارت القبورَ ونحوُ ذلكَ، فلا يَدُلُّ على نَسْخِ ما دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ الثلاثةُ منْ لَعْنِ زائراتِ القبورِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ذلكَ قبْلَ هذا النَّهْيِ الأكيدِ والوعيدِ الشديدِ، واللَّهُ أعلمُ.
قالَ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ الصَّنْعَانِيُّ في كتابِ تَطْهيرِ الاعتقادِ: والمَشَاهِدُ التي صارَتْ أعْظَمَ ذريعَةٍ إلى الشِّركِ والإِلحادِ غالِبُ مَنْ يَعْمُرُها هم الملوكُ والسلاطينُ، إمَّا على قريبٍ لهم أوْ على مَنْ يُحْسِنونَ الظنَّ فيهِ منْ فاضِلٍ أوْ عالِمٍ. ويزورُهُ الناسُ الذينَ يعرفونَهُ زيارةَ الأمواتِ منْ دُونِ توسُّلٍ بهِ ولا هَتْفٍ باسمِهِ، بلْ يَدْعُونَ لهُ ويَسْتَغْفِرُونَ. حتَّى يَنْقَرِضَ مَنْ يعرِفُهُ أوْ أكثرُهُم، فيأتي مِنْ بَعْدِهِمْ مَنْ يرَى قبرًا قَدْ شُيِّدَ عليهِ البناءُ، وسُرِّجَتْ عليهِ الشمُّوعُ، وفُرِشَ بالفراشِ الفاخِرِ، فيَعْتَقِدُ أنَّ ذلكَ لِنَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وتأتيهِ السَدَنَةُ يَكْذِبونَ على الميِّتِ بأنَّهُ فعَلَ وفعَلَ، وأَنْزَلَ بفلانٍ الضُّرَّ وبفلانٍ النفعَ، حتَّى يَغْرِسوا في جِبِلَّتِهِ كلَّ باطِلٍ. والأمرُ ما ثَبَتَ في الأحاديثِ النبويَّةِ مِنْ لَعْنِ مَنْ سَرَّجَ على القبورِ وكَتَبَ عليها وبَنَى عليْهَا. وأحاديثُ ذلكَ واسِعةٌ معروفةٌ، فإنَّ ذلكَ في نفسِهِ منهيٌّ عنهُ، ثمَّ هوَ ذريعةٌ إلى مفسدةٍ عظيمةٍ. انْتَهَى.
ومنهُ تَعْلَمُ مُطَابَقَةَ الحديثِ للترجمةِ، واللَّهُ أعلمُ.
قولُهُ (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ) ، تقدَّمَ شَرْحُهُ في البابِ قبلَهُ.
قولُهُ (السُّرُجَ) . قالَ أبو محمَّدٍ المقْدِسِيُّ: لوْ أُبِيحَ اتِّخاذُ السُّرُجِ عليها لمْ يُلْعَنْ مَنْ فعَلَهُ؛ لأنَّ فيهِ تضييعًا للمالِ في غيرِ فائدةٍ، وإفراطًا في تعظيمِ القبورِ أشبَهَ تعظيمَ الأصنامِ.
(1) ما بين المعقوفين غير موجود بالنسخة الأصل.