فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 339

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمَهُ اللَّهُ تعالَى: اتِّخاذُها مساجِدَ وإيقادُ السُّرُجِ عليها من الكبائِرِ.

قولُهُ (رواهُ أهْلُ السُّنَنِ) ؛ يعني: أبَا داودَ والتِّرمذيَّ وابنَ مَاجَهْ فقطْ، ولمْ يَرْوِهِ النَّسائِيُّ.

(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (بابُ ما جاءَ فِي حِمايَةِ المصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنابَ التَّوحيدِ وسَدِّهِ كُلَّ طَريقٍ يُوصِلُ إِلى الشِّركِ) .

الْجَنَابُ: هوَ الجانِبُ: والمرادُ حِمَايتُهُ عمَّا يقرُبُ إليهِ أوْ يُخَالِطُهُ من الشِركِ وأسبَابِهِ.

(6) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وقولُ اللَّهِ تعالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

قالَ ابنُ كثيرٍ: يقولُ تعالى مُمْتَنًّا على المؤمنينَ بما أرسلَ إليهِم رسولًا منْ أنفسِهِم؛ أيْ: مِنْ جنْسِهِم وعلى لُغَتِهِم، كمَا قالَ إبراهيمُ عليهِ السلامُ: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] ، وقالَ تعالَى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عِمرانَ: 164] ، وقالَ تعالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ؛ أيْ: منكم. كمَا قالَ جَعْفَرُ بنُ أبي طالِبٍ لِلنَّجَاشِيِّ، والمغيرةُ بنُ شُعْبَةَ لرسولِ كِسْرَى:"إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فينا رسولًا منَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِفَتَهُ، ومُدْخَلَهُ ومُخْرَجَهُ، وَصِدْقَهُ وأمَانَتَهُ"، وَذَكَرَ الحديثَ. وقالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عنْ جعفرِ بنِ محمَّدٍ، عنْ أبيهِ في قولِهِ تعالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ، قالَ:"لَمْ يُصِبْهُ شيءٌ مِنْ وِلادةِ الجاهليَّةِ".

وقولُهُ: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ؛ أيْ: يَعِزُّ عليهِ الشيءُ الذي يُعْنِتُ أُمَّتَهُ ويَشُقُّ عليها؛ ولهذا جاءَ في الحديثِ المَرْوِيِّ منْ طُرُقٍ عنهُ أَنَّهُ قالَ: (( بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ) )، وفي الصحيحِ: (( إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ ) ). وشريعتُهُ كُلُّها سَمْحَةٌ سهلَةٌ كامِلةٌ يسيرةٌ على مَنْ يَسَّرَهَا اللَّهُ عليهِ.

قولُهُ: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} ؛ أيْ: على هِدَايتِكم وَوُصُولِ النفعِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ إليكم. وعنْ أبي ذرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ:"تَرَكَنَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما طَائِرٌ يُقلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الهَوَاءِ إِلَّا وَهُوَ يَذْكُرُ لَنا مِنْهُ عِلْمًا". أخرَجَهُ الطبرانيُّ. قالَ: وقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ ) ).

وقولُهُ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، كما قالَ تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 215 - 216] ، وهكذا أمرَهُ تعالى في هذهِ الآيَةِ الكريمةِ.

قُلْتُ: فاقْتَضَتْ هذهِ الأوصافُ التي وَصَفَ اللَّهُ بها رسولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حقِّ أُمَّتِهِ أنْ أنْذَرَهم وحذَّرَهم الشِّركَ الذي هوَ أعظمُ الذنوبِ، وبيَّنَ لهم ذرائِعَهُ المُوصِلَةَ إليهِ، وأَبْلَغَ في نَهْيِهِم عنْهَا. ومنْ ذلكَ تعظيمُ القبورِ والغُلُوُّ فيها، والصلاةُ عندَها وإليها، ونحوُ ذلكَ مِمَّا يُوصِلُ إلى عبادتِها، كما تقدَّمَ وكمَا سيأتي في أحاديثِ البابِ.

(7) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (عَنْ أَبي هُريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ ) ). رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسَنٍ، رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ).

قولُهُ: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا) ، قالَ شيخُ الإِسلامِ: أيْ لا تُعَطِّلُوها من الصلاةِ فيها والدعاءِ والقراءةِ؛ فتكونَ بمنزلةِ القبورِ. فأمَرَ بتحرِّي العبادةِ في البيوتِ ونَهَى عنْ تحرِّيها عندَ القبورِ، عكْسُ ما يفْعَلُهُ المشركونَ من النصارى ومَنْ تشبَّهَ بِهِم منْ هذهِ الأمَّةِ.

وفي الصحيحَيْنِ عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: (( اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ) ). وفي صحيحِ مسلمٍ عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: (( لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي يَسْمَعُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ تُقْرَأُ فِيهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت