فهرس الكتاب
قولُهُ: (وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا) ، قالَ شيخُ الإِسلامِ: العيدُ اسمٌ لِمَا يعودُ من الاجتماعِ العامِّ على وجهٍ مُعْتَادٍ، عائِدًا إمَّا بِعَوْدِ السنَةِ أوْ بِعَوْدِ الأسبوعِ أو الشهرِ ونحوِ ذلكَ.
وقالَ ابنُ القيِّمِ: العيدُ ما يُعْتَادُ مجيئُهُ وقَصْدُهُ منْ زمانٍ ومكانٍ، مأخوذًا مِن المعاودَةِ والاعتيادِ. فإذا كانَ اسمًا للمكانِ فهوَ المكانُ الذي يُقْصَدُ فيهِ الاجتماعُ وانتيابُهُ للعبادةِ أوْ غيرِها، كما أنَّ المسجدَ الحرامَ ومِنًى ومُزْدَلِفَةَ وعَرَفَةَ والمشاعِرَ جعلَهَا اللَّهُ عيدًا للحُنَفَاءِ ومثابَةً؛ كما جعلَ أيَّامَ العيدِ فيها عيدًا.
وكانَ للمشركينَ أعيادٌ زمانيَّةٌ ومكانيَّةٌ. فلمَّا جاءَ اللَّهُ بالإِسلامِ أَبْطَلَهَا وعَوَّضَ الحُنَفَاءَ منها عيدَ الفِطْرِ وعيدَ النحرِ وأيامَ مِنًى، كما عوَّضَهُم منْ أعيادِ المشركينَ المكانيَّةِ بالكعبةِ ومِنًى ومُزْدَلِفَةَ وعرفةَ والمشاعِرِ.
قولُهُ: (وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) .
قالَ شيخُ الإِسلامِ: يُشِيرُ بذلكَ إلى أنَّ ما ينَالُنِي منكم من الصلاةِ والسلامِ يحْصُلُ معَ قُرْبِكُم منْ قبرِي وبُعْدِكُم، فلا حاجَةَ لكم إلى اتِّخاذِهِ عيدًا.
قولُهُ (لَا تَجْعَلوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا) . تقدَّمَ كلامُ شيخِ الإِسلامِ في معنى الحديثِ قبلَهُ. انتهَى.
(8) قولُهُ (وعَنْ عَلِيِّ بنِ الحسينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلى فُرْجَةٍ كانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُ فِيها فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبي، عَنْ جَدِّي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، [وَصَلُّوا عَلَيَّ] [1] ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ ) ). رواهُ في المُخْتَارَةِ).
هذا الحديثُ والذي قبلَهُ جيِّدانِ حَسَنَا الإسناديْنِ.
أمَّا الأوَّلُ؛ فرواهُ أبو داودَ وغيرُهُ مِنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ نافعٍ الصائِغِ قالَ: أخبَرَنِي ابنُ أبي ذِئْبٍ، عنْ سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عنْ أبي هريرةَ، فَذَكَرَهُ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مشاهيرُ، لكنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ نافِعٍ قالَ فيهِ أبو حاتِمٍ الرازِيُّ: ليسَ بالحافِظِ، تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ. وقالَ ابنُ مَعِينٍ: هوَ ثِقَةٌ. وقالَ أبو زُرْعَةَ: لا بأْسَ بِهِ. قالَ شيخُ الإِسلامِ رحمَهُ اللَّهُ: ومثلُ هذا إذا كانَ لحديثِهِ شواهِدُ عُلِمَ أنَّهُ محفوظٌ، وهذا لهُ شواهِدُ متعدِّدَةٌ. وقالَ الحافظُ محمَّدُ بنُ عبدِ الهادي: هوَ حديثٌ حسَنٌ جيِّدُ الإِسنادِ، ولهُ شواهِدُ كثيرةٌ يَرْتَقِي بها إلى درجةِ الصحَّةِ.
وأمَّا الحديثُ الثاني؛ فرواهُ أبو يَعْلَى والقاضِي إسماعيلُ والحافظُ الضِّيَاءُ في (المُختَارَةِ) .
قالَ شيخُ الإِسلامِ: فانْظُرْ هذهِ السُّنَّةَ كيفَ مَخْرَجُهَا منْ أهلِ المدينةِ وأهلِ البيتِ الذينَ لهم منْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْبُ النَّسَبِ وقُرْبُ الدارِ؛ لأنَّهُم إلى ذلكَ أحوجُ منْ غيرِهم، فكانوا لهُ أضبْطَ. انتهَى.
وقالَ سعيدُ بنُ منصورٍ في سُنَنِهِ: حدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بنُ محمَّدٍ، أخبرَنِي سُهَيْلُ بنُ أبي سُهَيْلٍ قالَ: رَآني الحَسَنُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم عِنْدَ القَبْرِ، فَنَادَاني وَهُوَ في بَيْتِ فَاطِمَةَ يَتَعَشَّى، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلى الْعَشَاءِ، فَقُلْتُ: لَا أُرِيدُهُ، فَقَالَ: مَا لي رَأَيْتُكَ عِنْدَ القَبْرِ؟ فَقُلْتُ: سَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ المَسْجِدَ فَسَلِّمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) )، ما أَنْتُمْ وَمَنْ بِالأنْدَلُسِ إِلَّا سَواءٌ.
وقالَ سعيدٌ أيضًا: حدَّثَنَا حِبَّانُ بنُ عَلِيٍّ؛ حدثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَجْلانَ، عنْ أبي سعيدٍ موْلَى الْمَهْرِيِّ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي ) ).
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل.