فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 339

قالَ شيخُ الإِسلامِ: فهذانِ المُرْسَلَانِ منْ هذَيْنِ الوجهيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ يدُلَّانِ على ثبوتِ الحديثِ، لا سِيَّما وقد احتَجَّ بهِ مَنْ أَرْسَلَهُ. وذلِكَ يقتضي ثُبُوتَهُ عندَهُ؛ هذا لوْ لمْ يُرْوَ منْ وُجُوهٍ مُسْنَدَةٍ غيرَ هذَيْنِ، فكيفَ وقدْ تقدَّمَ مُسندًا؟

قولُهُ: (عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ) ؛ أي: ابنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، المعروفُ بِزَيْنِ العابدينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أفضلُ التابعينَ منْ أهلِ بيتِهِ وأعلمُهُم. قالَ الزُّهْرِيُّ: ما رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أفضلَ منهُ. ماتَ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ على الصحيحِ. وأبُوهُ الحُسَيْنُ سِبْطُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَيْحَانَتُهُ، حَفِظَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستُشْهِدَ يومَ عاشوراءَ سنةَ إحدى وستِّينَ ولهُ سِتٌّ وخمسونَ سنةً، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قولُهُ: (أنَّهُ رأَى رَجُلًا يَجيءُ إِلى فُرْجَةٍ) ، بضمِّ الفاءِ وسكونِ الراءِ، وهيَ الْكُوَّةُ في الجِدارِ والخَوْخَةُ ونحوُهُما.

قولُهُ: (فَيَدْخُلُ فِيها فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ) ، هذا يدلُّ على النهيِ عنْ قَصْدِ القبورِ والمشاهدِ لأجلِ الدعاءِ والصلاةِ عندَها.

قالَ شيخُ الإِسلامِ رحمَهُ اللَّهُ تعالى: ما علِمْتُ أحدًا رخَّصَ فيهِ؛ لأنَّ ذلكَ نَوْعٌ من اتِّخاذِهِ عيدًا. ويدلُّ أيضًا على أنَّ قصدَ القبرِ للسلامِ إذا دخلَ المسجِدَ لِيُصَلِّيَ منْهِيٌّ عنهُ؛ لأنَّ ذلكَ لمْ يُشْرَعْ. وكرِهَ مالكٌ لأهلِ المدينةِ كُلَّمَا دخلَ الإنسانُ المسجِدَ أنْ يَأْتِيَ قبرَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّ السلَفَ لمْ يكُونُوا يفعلونَ ذلكَ، قالَ:"وَلَنْ يُصلِحَ آخِرَ هذهِ الأمَّةِ إلَّا مَا أصلَحَ أوَّلَها". وكانَ الصحابةُ والتابعونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم يأتونَ إلى مسجِدِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّونَ، فإذا قَضَوا الصلاةَ قَعَدُوا أوْ خَرَجُوا، ولمْ يكُونُوا يأتونَ القبرَ للسلامِ؛ لِعِلْمِهِم أنَّ الصلاةَ والسلامَ عليهِ في الصلاةِ أكملُ وأفضلُ، وأمَّا دُخُولُهم عندَ قبرِهِ للصلاةِ والسلامِ عليهِ هُناكَ، أوْ للصلاةِ والدعاءِ، فلَم يَشْرَعْهُ لَهُمْ؛ بلْ نَهَاهُمْ عنهُ في قولِهِ: (( لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي ) ). فبيَّنَ أنَّ الصلاةَ تصِلُ إليهِ منْ بُعْدٍ، وكذلكَ السلامُ، ولعَنَ مَن اتَّخذَ قبورَ الأنبياءِ مساجِدَ. وكانت الحُجْرةُ في زمانِهم يُدخَلُ إليها من البابِ؛ إذْ كانَتْ عائشةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فيها، وبعدَ ذلكَ إلى أنْ بُنِيَ الحائِطُ الآخَرُ، وهمْ معَ ذلكَ التمكُّنِ من الوصولِ إلى قبرِهِ لا يدخلونَ إليهِ، لا سلام ولا للصلاة [1] ، ولا للدُّعَاءِ لأنفسِهِم ولا لغيرِهم، ولا لسؤالٍ عنْ حديثٍ أوْ علْمٍ، ولا كانَ الشيطانُ يطمَعُ فيهم حتَّى يُسْمِعَهم كلامًا أوْ سلامًا فيظنُّونَ أنَّهُ هوَ كَلَّمَهُم وأَفْتَاهُم وبيَّنَ لهم الأحاديثَ، أوْ أنَّهُ قدْ ردَّ عليهم السلامَ بصوتٍ يُسْمَعُ منْ خَارِجٍ، كما طمِعَ الشيطانُ في غَيْرِهم فأَضَلَّهم عندَ قبرِهِ وقبرِ غيرِهِ؛ حتَّى ظنُّوا أنًّ صاحِبَ القبرِ يأمُرُهم ويَنْهَاهُمْ ويُفْتِيهِم ويُحَدِّثُهُم في الظَّاهِرِ، وأنَّهُ يَخْرُجُ من القبرِ ويَرَوْنَهُ خارِجًا من القبرِ، ويظنُّونَ أنَّ نَفْسَ أبدانِ المَوْتَى خرجَتْ تُكَلِّمُهُم، وأنَّ رُوحَ الميِّتِ تجسَّدَتْ لهم فَرَأَوْهَا كمَا رآهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلةَ المعْراجِ.

والمقصودُ: أنَّ الصحابةَ لمْ يكُونُوا يعتادونَ الصلاةَ والسلامَ عليهِ عندَ قبرِهِ كمَا يفعلُهُ مَنْ بعْدَهم مِن الخُلُوفِ؛ وإنَّما كانَ بعضُهم يأتي منْ خَارِجٍ فيُسَلِّمُ عليهِ إذا قدِمَ منْ سَفَرٍ، كما كانَ ابنُ عمرَ يفعلُهُ. قالَ عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ عنْ نافِعٍ، كانَ ابنُ عمرَ إذا قَدِمَ منْ سَفَرٍِ أَتَى قبرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ:"السلامُ عليكَ يا رسولَ اللَّهِ. السلامُ عليكَ يا أبا بكرٍ. السلامُ عليكَ يا أَبَتَاهُ"، ثُمَّ ينصرِفُ. قالَ عُبيدُ اللَّهِ:"ما نَعلَمُ أحدًا مِنْ أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعلَ ذلكَ إلَّا ابنَ عمرَ". وهذا يدلُّ على أنَّهُ لا يَقِفُ عندَ القبرِ للدُّعَاءِ إذا سلَّمَ كما يفعلُهُ كثيرٌ.

قالَ شيخُ الإسلامِ رحمَهُ اللَّهُ: لأنَّ ذلكَ لمْ يُنْقَلْ عنْ أحدٍ مِن الصحابةِ، فكانَ بِدْعَةً محضَةً. وفي المبسوطِ: قالَ مالكٌ: لا أرى أنْ يَقِفَ عندَ قبرِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولَكِنْ يُسَلِّمُ ويَمْضِي. ونصَّ أحمدُ أنَّهُ يستقْبِلُ القبلةَ ويجعلُ الحُجْرَةَ عنْ يسارِهِ؛ لئلَّا يستَدْبِرَهُ.

(1) العبارةُ غيرُ مستقيمةٍ، إمَّا أنْ تكونَ: لا للسلامِ ولا للصلاةِ. أوْ تكونَ: لا لسلامٍ ولا لصلاةٍ. يُنْظَرُ الأصلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت