فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 339

وبالْجُمْلَةِ قد اتَّفَقَ الأئمَّةُ على أنَّهُ إذا دعا لا يستقبِلُ القبرَ، وتَنَازَعُوا: هلْ يستقبلُهُ عندَ السلامِ عليهِ أمْ لا؟ وفي الحديثِ دليلٌ على منعِ شدِّ الرِّحالِ إلى قبرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإلى غيرِهِ من القبورِ والمشاهدِ؛ لأنَّ ذلكَ من اتِّخاذِها أعيادًا، بلْ منْ أعظمِ أسبابِ الإِشراكِ بأصحابِها.

وهذهِ هيَ المسألةُ التي أفتَى فيها شيخُ الإِسلامِ، أَعْنِي: مَنْ سافرَ لمُجَرَّدِ زيارةِ قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ، ونقَلَ فيها اختلافَ العلماءِ، فَمِنْ مُبِيحٍ لذلكَ؛ كالغزاليِّ وأبي محمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ. ومِنْ مانِعٍ لذلكَ، كابنِ بَطَّةَ وابنِ عَقِيلٍ وأبي محمَّدٍ الجُوَيْنِيِّ والقاضي عِياضٍ. وهوَ قولُ الجمهورِ، نصَّ عليهِ مالكٌ ولمْ يُخَالِفْهُ أحدٌ من الأئمَّةِ. وهوَ الصوابُ؛ لِمَا في الصحيحَيْنِ عنْ أبي سعيدٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) ). فدخلَ في النهيِ شَدُّها لزيارَةِ القبورِ والمشاهِدِ، فإمَّا أنْ يكونَ نهيًا، وإمَّا أنْ يكونَ نفيًا. وجاءَ في روايَةٍ بصيغةِ النَّهْيِ، فتعيَّنَ أنْ يكونَ للنهيِ؛ ولهذا فهِمَ منهُ الصحابةُ المنعَ، كما في المُوَطَّأِ والمُسْنَدِ والسُّنَنِ، عنْ بَصْرةَ بنِ أبي بَصْرةَ الغِفَاريِّ، أنَّهُ قالَ لأبي هريرةَ، وقدْ أقبَلَ من الطُّورِ: لوْ أَدْرَكْتُكَ قبْلَ أنْ تَخْرُجَ إليهِ لمَا خَرَجْتَ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: (( لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) ). وروى الإِمامُ أحمدُ وعمرُ بنُ شَبَّةَ في أخبارِ المدينةِ بإسنادٍ جيِّدٍ عنْ قَزَعَةَ قالَ: أتيتُ ابنَ عمرَ فَقُلْتُ: إني أُرِيدُ الطُّورَ، فقالَ:"إِنَّما تُشدُّ الرِّحالُ إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدِ المدينةِ، والمسجدِ الأقصى. فدَعْ عنكَ الطُّورَ ولا تأْتِهِ". فابنُ عمرَ وبَصْرةُ بنُ أبي بَصْرَةَ جَعَلَا الطُّورَ مِمَّا نُهِيَ عنْ شدِّ الرِّحالِ إليهِ؛ لأنَّ اللَّفظَ الذي ذَكَرَاهُ فيهِ النهيُ عنْ شدِّها إلى غيرِ الثلاثةِ ممَّا يُقْصَدُ بهِ القُرْبَةُ، فَعُلِمَ أنَّ المستثْنَى منهُ عامٌّ في المساجِدِ وغيرِها، وأنَّ النَّهيَ ليسَ خاصًّا بالمساجدِ؛ ولهذا نَهَيَا عنْ شدِّها إلى الطورِ مُسْتَدِلَّيْنِ بهذا الحديثِ.

والطُّورُ إنَّما يُسَافِرُ مَنْ يُسَافِرُ إليهِ لفضيلةِ البُقْعَةِ؛ فإنَّ اللَّهَ سمَّاهُ (الواديَ المقدَّسَ، والبُقْعَةَ المباركَةَ) ، وكلَّمَ كليمَهُ موسى عليهِ السلامُ هناكَ. وهذا هوَ الذي عليهِ الأئمَّةُ الأربَعَةُ وجمهورُ العلماءِ؛ ومَنْ أرادَ بَسْطَ القولِ في ذلكَ والجوابَ عَمَّا يُعَارِضُهُ فَعَلَيْهِ بما كَتَبَهُ شَيْخُ الإِسلامِ مُجِيبًا لابنِ الْأَخْنَائِيِّ فيما اعتَرَضَ بهِ على ما دَلَّتْ عليهِ الأحاديثُ الصحيحةُ وأخذَ بهِ العلماءُ، وفي (الجوابِ الباهرِ) الذي نقلَ عنهُ ابنُ عبدِ الهادي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وقياسُ الأَوْلَى؛ لأنَّ المفسدةَ في ذلكَ ظاهرةٌ.

وأما النهيُ عنْ زيارةِ غيرِ المساجدِ الثلاثةِ فغايَةُ ما فيها أنَّها لا مصلحةَ في ذلكَ تُوجِبُ شدَّ الرِّحالِ؛ ولا مَزِيَّةَ تَدْعُو إليهِ. وقدْ بسَطَ القولَ في ذلكَ الحافِظُ محمَّدُ بنُ عبدِ الهادي في كتابِ (( الصَّارِمِ المُنْكِيِّ ) )في رَدِّهِ على السُّبكِيِّ، وذكَرَ فيهِ عِلَلَ الأحاديثِ الواردةِ في زيارةِ قَبْرِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وذكرَ هوَ وشيخُ الإِسلامِ رحمَهُ اللَّهُ، أنَّهُ لا يصِحُّ منها حديثٌ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عنْ أحدٍ منْ أصحابِهِ، معَ أنَّها لا تَدُلُّ على مَحَلِّ النزاعِ؛ إذْ ليسَ فيها إلَّا مُطْلَقُ الزيارةِ، وذلكَ لا يُنْكِرُهُ أحدٌ بدونِ شدِّ الرحالِ؛ فَيُحْمَلُ على الزيارةِ الشرعيَّةِ التي ليسَ فيها شِرْكٌ ولا بدعةٌ.

قولُهُ: (رواهُ في المختارَةِ) . المُخْتَارَةُ: كِتَابٌ جَمَعَ فيهِ مُؤَلِّفُهُ الأحاديثَ الْجِيَادَ الزائِدةَ على الصحيحيْنِ.

ومؤلِّفُهُ هوَ أبو عبدِ اللَّهِ محمَّدُ بنُ عبدِ الواحِدِ المَقْدِسِيُّ الحافِظُ ضياءُ الدينِ الحَنْبَلِيُّ أحدُ الأعلامِ. قالَ الذَّهَبِيُّ: أفْنَى عُمُرَهُ في هذا الشأنِ معَ الدينِ المتينِ، والوَرَعِ والفضيلةِ التامَّةِ والإتقانِ. فاللَّهُ يَرْحَمُهُ ويَرْضَى عنهُ.

وقالَ شيخُ الإِسلامِ: تصحيحُهُ في مُخْتَارَاتِهِ خيرٌ منْ تصحيحِ الحاكِمِ بلا رَيْبٍ. ماتَ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ وستِّمِائةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت