فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 339

تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ؛ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً اليَهُودَ أَنْ لَا تَعْتَدُوا في السَّبْتِ )) ، فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ"الحديثَ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ."

قولُهُ: (والسِّحْرُ) تَقَدَّمَ معناهُ، وهذا وَجهُ مُناسَبَةِ الحديثِ للترجمةِ.

قولُهُ: (وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ) أيْ: حَرَّمَ قَتْلَها.

(إِلَّا بِالحَقِّ) أيْ: بأنْ تَفعلَ ما يُوجِبُ قَتْلَها، كالشرْكِ، والنفْسِ بالنفسِ، والزانِي بعدَ الإحصانِ، وقَتْلِ الْمُعاهَدِ، كما في الحديثِ: (( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يُرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ) )الحديثَ.

واخْتَلَفَ العُلماءُ فيمَن قَتَلَ مُؤمنًا مُتَعَمِّدًا، هلْ لهُ تَوبةٌ أمْ لا؟

فذَهَبَ ابنُ عَبَّاسٍ وأبو هُريرةَ وغيرُهما إلَى أنَّهُ لا تَوبةَ لهُ، استدلالًا بقولِهِ تعالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ:"نَزَلَتْ هذه الآيَةُ وهيَ آخِرُ ما نَزَلَ، وما نَسَخَها شيءٌ"، وفي روايَةٍ:"لقدْ نَزَلَتْ في آخِرِ ما نَزَلَ، ما نَسَخَها شيءٌ حتَّى قُبِضَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما نَزَلَ وَحْيٌ"، ورُوِيَ في ذلكَ آثارٌ تَدُلُّ لِمَا ذَهَبَ إليهِ هؤلاءِ، كما عندَ الإِمامِ أحمدَ، والنَّسائيِّ، وابنِ الْمُنْذِرِ عنْ مُعاويَةَ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا، أَو الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) ).

وذَهَبَ جُمهورُ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا إلَى أنَّ القاتلَ لهُ تَوبةٌ فيما بينَهُ وبينَ اللَّهِ، فإن تابَ وأَنابَ وعَمِلَ صالحًا بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسناتٍ، كما قالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنْ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70] .

قولُهُ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} . فقدْ قالَ أبو هُريرةَ وغيرُهُ:"هذا جَزاؤُهُ إنْ جَازَاهُ".

وقدْ رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ما يُوافِقُ قولَ الجمهورِ، فرَوَى عبدُ بنُ حُميدٍ، والنحَّاسُ، عنْ سَعيدِ بنِ عُبيدٍ، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان يقولُ:"لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمنًا تَوْبَةٌ"، وكذلكَ ابنُ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ورُوِيَ مَرفوعًا: (( أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّمُ إِنْ جَازَاهُ ) ).

قولُهُ: (وَأَكْلُ الرِّبَا) أيْ: تَنَاوُلُهُ بأيِّ وَجْهٍ كانَ؛ كما قالَ تعالَى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} الآياتِ [البقرة: 275 - 280] .

قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: وهوَ مُجَرَّبٌ لسُوءِ الْخَاتِمَةِ، نَعوذُ باللَّهِ مِنْ ذلكَ.

قولُهُ: (وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ) يعنِي: التَّعَدِّيَ فيهِ. وعَبَّرَ بالأَكْلِ؛ لأنَّهُ أَعَمُّ وُجوهِ الانتفاعِ، كما قالَ تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] .

قولُهُ: (وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي: الإِدبارُ عن الكُفَّارِ وَقْتَ التِحَامِ القِتالِ، وإنما يكونُ كبيرةً إذا فَرَّ إلَى غيرِ فِئةٍ، أوْ غيرَ مُتَحَرِّفٍ لقتالٍ. كما قُيِّدَ بهِ في الآيَةِ.

قولُهُ: (وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ) وهوَ بفَتْحِ الصادِ: المحفوظاتُ من الزِّنَا؛ وبِكَسْرِها الحافظاتُ فُرُوجَهُنَّ منهُ، والمرادُ: الحرائِرُ العَفيفاتُ، والمرادُ رَمْيُهُنَّ بزِنًا أوْ لِواطٍ.

و (الغافلاتِ) أيْ: عن الفَواحشِ وما رُمِينَ بهِ. فهوَ كِنايَةٌ عن البَرِيئاتِ؛ لأنَّ الغافلَ بَرِيءٌ عمَّا بُهِتَ بهِ. و (المؤمناتِ) أيْ: باللَّهِ تعالَى؛ احْترازًا منْ قَذْفِ الكافراتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت