فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 339

هذا الأَثَرُ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ بنَحوِهِ مُطَوَّلًا عنْ وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قالَ:"سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الطواغيتِ التي كانوا يَتحاكمونَ إليها؛ فقالَ: إنَّ في جُهَيْنَةَ واحدًا؛ وفي أَسْلَمَ واحدًا، وفي هِلالٍ واحدًا؛ وفي كلِّ حيٍّ واحدًا، وهم كُهَّانٌ كانت تَنْزِلُ عليهم الشياطينُ".

قولُهُ: (قالَ جابرٌ) هوَ ابنُ عبدِ اللَّهِ بنِ حَرامٍ الأنصاريُّ.

قولُهُ: (الطَّواغيتُ كُهَّانٌ) أَرادَ أنَّ الكُهَّانَ من الطواغيتِ، فهوَ مِنْ أَفرادِ الْمَعْنَى.

قولُهُ: (كَانَ يَنْزِلُ عليهمُ الشيطانُ) أرادَ الْجِنْسَ لا الشيطانَ الذي هوَ إِبليسُ خَاصَّةً، بلْ تَنْزِلُ عليهم الشياطينُ ويُخاطِبُونَهم ويُخْبِرُونَهم بما يَسْتَرِقُونَهُ من السَّمْعِ، فَيَصْدُقُونَ مَرَّةً ويَكذِبونَ مائةً.

قولُهُ: (في كلِّ حَيٍّ واحدٌ) الحيُّ واحدُ الأحياءِ، وهم القبائلُ؛ أيْ: في كلِّ قَبيلةٍ كاهنٌ يَتَحَاكَمونَ إليهِ ويَسألونَهُ عن الْغَيْبِ، وكذلكَ كان الأَمْرُ قبلَ مَبْعَثِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَبْطَلَ اللَّهُ ذلكَ بالإِسلامِ وحُرِسَت السماءُ بكَثرةِ الشُّهُبِ.

(6) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ) )قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قالَ: (( الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَناتِ الغَافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ ) ).

كذا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ غيرَ مَعْزُوٍّ، وقدْ رواهُ البخاريُّ ومسلِمٌ.

قولُهُ: (اجْتَنِبُوا) أي: ابْعُدُوا، وهوَ أَبْلَغُ منْ قولِهِ: دَعُوا واتْرُكُوا؛ لأنَّ النهيَ عن القُربانِ أَبْلَغُ، كقولِهِ: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] .

قولُهُ: (المُوبِقَاتِ) بِمُوَحَّدَةٍ وقافٍ؛ أي: الْمُهْلِكاتِ، وَسُمِّيَتْ هذه مُوبِقاتٌ؛ لأنَّها تُهْلِكُ فاعِلَها في الدنيا بما يَتَرَتَّبُ عليها من العُقوباتِ، وفي الآخِرَةِ من العَذابِ.

وفي حديثِ ابنِ عمرَ عندَ البخاريِّ في (الأَدَبِ الْمُفْرَدِ) والطبريِّ في التفسيرِ، وعبدِ الرزَّاقِ مَرفوعًا ومَوقوفًا قالَ: (( الكَبَائِرُ تِسْعٌ - وذَكَرَ السبعةَ المذكورةَ - وَالْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) )ولابنِ أبي حاتمٍ عنْ عليٍّ قالَ: (( الكبائرُ - فذَكَرَ السبْعَ إلَّا مالَ اليتيمِ - وزادَ: العُقوقَ، والتَّعَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ؛ وَفِرَاقَ الْجَمَاعَةِ، ونَكْثَ الصَّفْقَةِ ) ).

قالَ الحافظُ: ويُحْتَاجُ عندَ هذا إلَى الجوابِ عن الحِكمةِ في الاقتصارِ علَى سَبْعٍ.

ويُجابُ: بأنَّ مَفهومَ العَدَدِ ليسَ بِحُجَّةٍ وهوَ ضَعيفٌ، أوْ بأنَّهُ أُعْلِمَ أوَّلًا بالْمَذكوراتِ، ثمَّ أُعْلِمَ بما زادَ، فيَجِبُ الأَخْذُ بالزائدِ، أوْ أنَّ الاقتصارَ وَقَعَ بِحَسَبِ الْمَقامِ بالنسبةِ إلَى السائلِ.

وقدْ أَخرجَ الطبرانيُّ وإسماعيلُ القاضي، عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ قيلَ لهُ: (الكبائرُ سبعٌ؟) قالَ:"هُنَّ أَكْثَرُ منْ سَبْعٍ وسَبْعٍ"، وفي روايَةٍ:"هيَ إلَى سبعينَ أَقْرَبُ"وفي روايَةٍ:"إلَى السَّبْعِمائةِ".

قولُهُ: (قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ) هوَ أنْ يَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا يَدْعُوهُ كمَا يَدْعُو اللَّهَ، وَيَرْجُوهُ كمَا يَرْجُو اللَّهَ، ويَخافُهُ كما يَخافُ اللَّهَ، بَدَأَ بهِ؛ لأنَّهُ أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بهِ، كما في الصحيحينِ عن ابنِ مَسعودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، الحديثَ ) )، وأَخْرَجَ التِّرمذيُّ بسَنَدِهِ، عنْ صَفوانَ بنِ عَسَّالٍ قالَ:"قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبْيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت