فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 339

قالَ أبو مُحَمَّدٍ الْمَقدِسِيُّ في الكافي: السِّحْرُ عَزائمُ ورُقًى وعُقَدٌ يُؤَثِّرُ في القُلوبِ والأبدانِ؛ فَيُمْرِضُ ويَقْتُلُ، وَيُفَرِّقُ بينَ الْمَرءِ وزَوْجِهِ. قالَ اللَّهُ تعالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] وقالَ سُبحانَهُ: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} يعنِي: السواحِرَ اللاتِي يَعْقُدْنَ في سِحْرِهِنَّ ويَنْفُثْنَ في عُقَدِهِنَّ، ولولا أنَّ للسِّحْرِ حَقيقةً لم يَأْمُر اللَّهُ بالاستعاذةِ منهُ.

وعنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (( أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما يفْعَلُهُ، وَأَنَّهُ قالَ لَهَا ذَاتَ يَوْمٍ: أَتَانِي مَلَكَانِ؛ فَجَلَسَ أَحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ في مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ في بِئْرِ ذَرْوَانَ ) )رواهُ البخاريُّ.

(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقولُ اللَّهِ تعالَى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] ) قالَ ابنُ عبَّاسٍ (منْ نَصيبٍ) . قالَ قَتادةُ: وقدْ عَلِمَ أهلُ الكتابِ فيما عُهِدَ إليهم: أنَّ الساحرَ لا خَلاقَ لهُ في الآخِرَةِ. وقالَ الحسَنُ: ليسَ لهُ دِينٌ.

فدَلَّت الآيَةُ علَى تَحريمِ السحْرِ، وكذلكَ هوَ مُحَرَّمٌ في جَميعِ أَديانِ الرُّسُلِ عليهم السلامُ؛ كما قالَ تعالَى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] وقدْ نصَّ أصحابُ أحمدَ أنَّهُ يَكْفُرُ بتَعَلُّمِهِ وتَعليمِهِ. ورَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ عنْ صَفوانَ بنِ سُليمٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ تَعلَّمَ شَيئًا مِنَ السِّحْرِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ) )وهذا مُرْسَلٌ.

واخْتَلَفُوا: هلْ يَكْفُرُ الساحرُ أوْ لا؟

فذَهَبَ طائفةٌ من السَّلَفِ إلَى أنَّهُ يَكْفُرُ، وبهِ قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ وأحمدُ. قالَ أصحابُهُ: إلَّا أنْ يَكونَ سِحْرُهُ بأَدْوِيَةٍ وتَدخينٍ وسَقْيِ شَيءٍ لا يَضُرُّ فلا يَكْفُرُ.

وقالَ الشافعيُّ: إذا تَعَلَّمَ السِّحْرَ قلنا لهُ: صِفْ لنا سِحْرَكَ؛ فإن وَصَفَ ما يُوجِبُ الكُفْرَ؛ مثلَ ما اعْتَقَدَهُ أهلُ بابلَ من التَّقَرُّبِ إلَى الكَواكبِ السبعةِ، وأنَّها تَفعلُ ما يُلْتَمَسُ منها فهوَ كافِرٌ، وإنْ كان لا يُوجِبُ الكُفْرَ فإن اعْتَقَدَ إباحتَهُ كَفَرَ. انتهَى.

وقدْ سَمَّاهُ اللَّهُ كُفْرًا بقولِهِ: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] ، وقولِهِ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102] ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ في قولِهِ: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ، وذلكَ أنهما عَلِمَا الخيرَ والشرَّ والكُفْرَ والإِيمانَ؛ فعَرَفَا أنَّ السِّحْرَ من الكُفْرِ.

(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقولِهِ: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] ) تَقَدَّمَ الكلامُ عليهما في البابِ قَبْلَهُ.

وفيهِ أن السِّحْرَ مِن الْجِبْتِ، قالَهُ الْمُصَنِّفُ.

(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قالَ عُمَرُ:"الجِبتُ السِّحْرُ، والطَّاغُوتُ الشَّيْطانُ") هذا الأَثَرُ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ.

(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقالَ جابرٌ:"الطَّواغِيتُ كُهَّانٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ واحِدٌ") .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت