فهرس الكتاب
وتَسْكُنَ نفوسُهم إلَى وَحدانِيَّتِهِ تعالَى التي أَرْسَلَ بها رُسُلَهُ، وأَنْزَلَ بها كُتُبَهُ، وخَلَقَ لأَجْلِها السماواتِ والأرضَ، وعَمَّرَ الدارينِ: الْجَنَّةَ والنارَ بسَبَبِ التوحيدِ، فقَطَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلَقَ الشِّرْكِ منْ قُلوبِهم؛ لئَلَّا يَبْقَى فيها عُلْقَةٌ منها؛ ولا يَتَلَبَّسُوا بعَمَلٍ منْ أعمالِ أهلِ النارِ الْبَتَّةَ.
فمَن اسْتَمْسَكَ بعُروةِ التوحيدِ الوُثْقَى، واعْتَصَمَ بحَبْلِهِ الْمَتِينِ، وتَوَكَّلَ علَى اللَّهِ، قَطَعَ هاجِسَ الطِّيَرَةِ مِنْ قَبْلِ استقرارِها، وبَادَرَ خَوَاطِرَها مِنْ قَبْلِ اسْتِمْكَانِها.
قالَ عِكرمةُ: كُنَّا جُلوسًا عندَ ابنِ عَبَّاسٍ؛ فمَرَّ طائرٌ يَصِيحُ، فقالَ رجُلٌ من القَومِ: خَيرٌ خيرٌ، فقالَ لهُ ابنُ عَبَّاسٍ: لا خَيرَ ولا شَرَّ، فبَادَرَ بالإِنكارِ عليهِ؛ لئَلَّا يَعْتَقِدَ تَأثيرَهُ في الخيرِ والشرِّ.
وخَرَجَ طَاوُوسٌ معَ صاحبٍ لهُ في سَفَرٍ، فصاحَ غُرابٌ، فقالَ الرجُلُ: خيرٌ، فقالَ طاوُوسٌ: وأيُّ خيرٍ عندَ هذا؟ لِلَّهِ لا تَصْحَبْنِي. انتهَى مُلَخَّصًا.
وقدْ جَاءَتْ أحاديثُ ظَنَّ بعضُ الناسِ أنَّها تَدُلُّ علَى جَوازِ الطِّيَرَةِ، كقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( الشُّؤْمُ فِي ثَلاثٍ: فِي المَرْأَةِ، وَالدَّابَّةِ، وَالدَّارِ ) )ونحوِ هذا.
قالَ ابنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: إِخبارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشؤْمِ في هذه الثلاثةِ ليسَ فيهِ إِثباتُ الطِّيَرَةِ التي نَفَاهَا اللَّهُ، وإنما غايتُهُ أنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ قدْ يَخْلُقُ منها أَعيانًا مَشؤومةً علَى مَنْ قارَبَها وسَاكَنَها؛ وأَعيانًا مُبارَكَةً لا يَلْحَقُ مَنْ قَارَبَها منها شُؤْمٌ ولا شَرٌّ، وهذا كما يُعْطِي سُبحانَهُ الوالِدَيْنِ وَلَدًا مُبارَكًا يَرَيَانِ الخيرَ علَى وَجْهِهِ، ويُعْطِيَ غيرَهما وَلَدًا مَشؤومًا يَرَيَانِ الشرَّ علَى وَجْهِهِ، وكذلكَ ما يُعطاهُ العَبْدُ مِنْ وِلايَةٍ أوْ غيرِها؛ فكذلكَ الدارُ والمرأةُ والْفَرَسُ. واللَّهُ سُبحانَهُ خالِقُ الخيرِ والشَّرِّ والسُّعودِ والنُّحوسِ، فيَخْلُقُ بعضَ هذه الأعيانِ سُعودًا مُبارَكةً، ويَقْضِي بسعادةِ مَنْ قَارَبَها وحُصولِ اليُمْنِ والبَرَكَةِ لهُ. ويَخْلُقُ بعضَها نُحوسًا يَتَنَحَّسُ بها مَنْ قارَبَها. وكلُّ ذلكَ بقَضاء اللَّهِ وقَدَرِهِ، كما خَلَقَ سائرَ الأسبابِ ورَبَطَها بِمُسَبَّبَاتِها الْمُتَضَادَّةِ والمختلِفَةِ، كما خَلَقَ الْمِسكَ وغيرَهُ من الأرواحِ الطَّيِّبَةِ وَلَذَّذَ بها مَنْ قَارَبَها من الناسِ، وخَلَقَ ضِدَّها وجَعَلَها سَببًا لأَلَمِ مَنْ قَارَبَها من الناسِ، والفَرْقُ بينَ هذينِ النوعينِ مُدْرَكٌ بالْحِسِّ، فكذلكَ في الدِّيارِ والنساءِ والخيلِ، فهذا لونٌ والطِّيَرَةُ الشِّرْكِيَّةُ لونٌ، انتهَى.
قولُهُ: (وَلَا هَامَةَ) بتخفيفِ الميمِ علَى الصحيحِ. قالَ الفَرَّاءُ: الْهَامةُ طَيرٌ منْ طيورِ الليلِ، كأنَّهُ يعني البُومةَ، قالَ ابنُ الأعرابيِّ: كانوا يَتَشَاءَمونَ بها إذا وَقَعَتْ علَى بيتِ أَحَدِهم، يقولُ: نَعَتْ إليَّ نَفْسِي أوْ أحدًا منْ أهلْ دَارِي، فجاءَ الحديثُ بنَفْيِ ذلكَ وإبطالِهِ.
قولُهُ: (ولا صَفَرَ) بفَتْحِ الفاءِ، روَى أبو عُبيدةَ في غريبِ الحديثِ عنْ رُؤبةَ أنَّهُ قالَ: هيَ حَيَّةٌ تَكونُ في البَطْنِ تُصيبُ الْمَاشِيَةَ والناسَ، وهيَ أَعْدَى من الْجَرَبِ عندَ العَرَبِ، وعلَى هذا فالمرادُ بنَفْيِهِ ما كانوا يَعتقدونَهُ من الْعَدْوَى، ومِمَّنْ قالَ بهذا: سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، والإِمامُ أَحمدُ، والْبُخَارِيُّ، وابنُ جَريرٍ.
وقالَ آخَرونُ: المرادُ بهِ شَهْرُ صَفَرَ، والنفْيُ لِمَا كان أهلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلونَهُ في النَّسِيءِ، وكانوا يُحِلُّون الْمُحَرَّمَ وَيُحَرِّمُونَ صَفَرَ مَكانَهُ، وهوَ قَولُ مَالِكٍ.
ورَوَى أبو دَاوُدَ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ راشدٍ، عَمَّنْ سَمِعَهُ يَقولُ: إِنَّ أَهْلَ الجاهليَّةِ يَتَشَاءَمُونَ بصَفَرَ ويقولونَ: إنَّهُ شَهْرٌ مَشؤومٌ، فأَبْطَلَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلكَ، قالَ ابنُ رَجَبٍ: ولَعَلَّ هذا القولَ أَشْبَهُ الأقوالِ، والتَّشَاؤُمُ بصَفَرَ هوَ منْ جِنْسِ الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عنها، وكذلكَ التَّشَاؤُمُ بيومٍ من الأَيَّامِ كيَوْمِ الأَربِعاءِ وتَشاؤُمُ أهلِ الْجَاهليَّةِ بشَوَّالٍ في النِّكاحِ فيهِ خَاصَّةً.
قولُهُ: (وَلَا نَوْءَ) النَّوْءُ واحدُ الأنواءِ، وسَيأتِي الكلامُ عليهِ في بابِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى.