فهرس الكتاب
قولُهُ: (وَلَا غُولَ) هوَ بالضَّمِّ اسمُهُ، وجَمْعُهُ أَغوالٌ وغِيلانٌ، وهوَ الْمُرادُ هنا.
قالَ أبو السَّعَادَاتِ: الْغُولُ واحدُ الغِيلانِ، وهوَ جِنْسٌ من الْجِنِّ والشياطينِ كانت العَرَبُ تَزْعُمُ أنَّ الغُولَ في الفَلاةِ تَتَرَاءَى للناسِ، تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا في صُوَرٍ شَتَّى وتَغُولُهم؛ أيْ: تُضِلُّهُم عن الطريقِ وتُهْلِكُهم، فنَفاهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَبْطَلَهُ.
[فإنْ قِيلَ: ما معنَى النفيِ، وقدْ قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا تَغَوَّلَتِ الغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالأَذَانِ ) ).
أُجِيبَ عنه: بأنَّ ذلكَ كان في الابتداءِ، ثمَّ دَفَعَها اللَّهُ عنْ عِبادِهِ، أوْ يُقالُ: الْمَنْفِيُّ ليسَ وُجودَ الغُولِ، بلْ ما يَزْعُمُهُ العَرَبُ مِنْ تَصَرُّفِهِ في نَفْسِهِ، أو] (1)
فيكونُ المَعْنِيُّ بقَوْلِهِ: (( لَا غُولَ ) )أنَّها لا تَسْتَطِيعُ أن تُضِلَّ أَحدًا معَ ذِكْرِ اللَّهِ والتَّوَكُّلِ عليهِ، ويَشْهَدُ لهُ الحديثُ الآخَرُ: (( لَا غُولَ وَلَكِنَّ السَّعالِيَ ) ). السعالي: سَحَرَةُ الْجِنِّ؛ أيْ: ولكنَّ في الْجِنِّ سَحَرَةً لهم تَلْبِيسٌ وتَخييلٌ، ومنهُ الحديثُ: (( إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ ) )؛ أي: ادْفَعُوا شَرَّهَا بذِكْرِ اللَّهِ، وهذا يَدُلُّ علَى أنَّهُ لم يُرِدْ بِنَفْيِها عدَمَها، ومنهُ حديثُ أبي أَيُّوبَ:"كَانَ لِي تَمْرٌ فِي سَهْوَةٍ فَكَانَتِ الغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ".
(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ ) )قالَوا: وَما الفَأْلُ؟ قالَ: (( الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ) ).
قولُهُ: (وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ) قالَ أبو السَّعَادَاتِ: الفَأْلُ، مَهموزٌ فيما يَسُرُّ ويَسوءُ، والطِّيَرَةُ لا تَكونُ إلَّا فيما يَسوءُ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَتْ فيما يَسُرُّ، يُقالُ: تَفَاءَلْتُ بكذا وتَفَاوَلْتُ، علَى التخفيفِ والقَلْبِ؛ ولقدْ أُولِعَ الناسُ بتَرْكِ الهمزةِ تَخفيفًا، وإنما أَحَبَّ الفألَ؛ لأنَّ الناسَ إذا أَمَّلُوا فائدةَ اللَّهِ ورَجَوْا عائِدَتَهُ عندَ كلِّ سببٍ ضَعيفٍ أوْ قَوِيٍّ فَهُمْ علَى خَيرٍ، وإذا قَطَعُوا آمَالَهُم ورَجَاءَهم مِن اللَّهِ تعالَى كان ذلكَ مِن الشرِّ، وأَمَّا الطِّيَرَةُ فإنَّ فيها سُوءَ الظنِّ باللَّهِ وتَوَقُّعَ البلاءِ، والتَّفَاؤُلُ: أنْ يكونَ رَجُلٌ مَريضًا فيَسْمَعُ آخَرَ يَقولُ: يا سالِمُ، أوْ يكونَ طالبَ ضَالَّةٍ فيَسْمَعُ آخَرَ يَقولُ: يا واجِدُ، فيَقَعُ في ظَنِّهِ أنَّهُ يَبْرَأُ منْ مَرَضِهِ ويَجِدُ ضَالَّتَهُ، ومنهُ الحديثُ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الفَأْلُ؟ قالَ: (( الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ) ).
قولُهُ: (قالُوا: وَما الفَأْلُ؟ قالَ:(( الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ) )) بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الفَأْلَ يُعْجِبُهُ، فدَلَّ علَى أنَّهُ ليسَ من الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عنها.
قالَ ابنُ الْقَيِّمِ: ليسَ في الإِعجابِ بالْفَأْلِ ومَحَبَّتِهِ شيءٌ من الشِّرْكِ، بلْ ذلكَ إبانةٌ عنْ مُقْتَضَى الطَّبيعةِ ومُوجَبِ الْفِطْرَةِ الإنسانيَّةِ التي تَمِيلُ إلَى ما يُوافِقُها ويُلائِمُها، كما أَخْبَرَهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ حُبِّبَ إليهِ من الدنيا النساءُ والطِّيبُ، وكان يُحِبُّ الْحَلْواءَ والعَسَلَ، ويُحِبُّ حُسْنَ الصوتِ بالقرآنِ والأذانِ ويَستمِعُ إليهِ، ويُحِبُّ مَعالِيَ الأخلاقِ ومَكارِمَ الشِّيَمِ،
وبالجُملةِ: يُحِبُّ كلَّ كَمالٍ وخَيرٍ وما يُفْضِي إليهما، واللَّهُ سُبحانَهُ قدْ جَعَلَ في غَرائزِ الناسِ الإِعجابَ بسَماعِ الاسْمِ الْحَسَنِ ومَحَبَّتَهُ، ومَيْلَ نُفوسِهم إليهِ، وكذلكَ جَعَلَ فيها الارتياحَ والاستبشارَ والسرورَ باسمِ: الفَلاحِ، والسلامِ، والنجاحِ، والتَّهنئةِ، والبُشْرَى، والفَوْزِ، والظَّفَرِ، ونحوِ ذلكَ، فإذا قَرَعَتْ هذه الأسماءُ الأسماعَ اسْتَبْشَرَتْ بها النفسُ، وانْشَرَحَ لها الصَّدْرُ، وقَوِيَ بها القلْبُ، وإذا سَمِعَتْ أَضَّدادَها أَوْجَبَ لها ضِدَّ هذه الحالِ، فأَحْزَنَها ذلكَ، وأَثارَ لها خَوْفًا وطِيَرَةً وانْكِمَاشًا وانقباضًا عما قَصَدَتْ لهُ وعَزَمَتْ عليهِ؛ فأَوْرَثَ لها ضَرَرًا في الدنيا، ونَقْصًا في الإِيمانِ، ومُقَارَفَةَ الشرْكِ.
وقالَ الحليميُّ: وإنما كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الفألُ؛ لأنَّ التشاؤُمَ سُوءُ ظَنٍّ باللَّهِ تعالَى بغيرِ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ، والتفاؤُلَ حُسْنُ ظَنٍّ بهِ، والمؤمِنُ مأمورٌ بحُسْنِ الظَّنِّ باللَّهِ تعالَى علَى كلِّ حالٍ.