فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 339

(6) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلأبي داودَ بسَنَدٍ صحيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ قالَ: ذُكِرَت الطِّيَرةُ عِنْدَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ:(( أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَناتِ إِلَّا أنْتَ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ ) )).

قولُهُ: (عنْ عُقبةَ بنِ عامرٍ) هكذا وَقَعَ في نُسَخِ التوحيدِ، وصوابُهُ: عنْ عُروةَ بنِ عامرٍ، كذا أَخْرَجَهُ أحمدُ، وأبو دَاوُدَ، وغيرُهما، وهوَ مَكِّيٌّ اخْتُلِفَ في نَسَبِهِ؛ فقالَ أَحمدُ: عنْ عُروةَ بنِ عامرٍ القُرَشِيِّ، وقالَ غَيرُهُ: الْجُهَنِيِّ. واخْتُلِفَ في صُحْبَتِهِ، فقالَ الْبَاوَرْدِيُّ: لهُ صُحبةٌ، وذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في ثِقاتِ التابعينَ، وقالَ الْمِزِّيُّ: لا صُحبةَ لهُ تَصِحُّ.

قولُهُ: (فَقالَ: أَحْسَنُها الفَأْلُ) قدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ، ورَوَى التِّرمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عنْ أَنَسٍ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ: يَا نَجِيحُ، يَا رَاشِدُ ) )، ورَوَى أبو دَاوُدَ عنْ بُرَيْدَةَ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ فَإِذَا أَعْجَبَهُ فَرِحَ بِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُؤِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ) )، وإسنادُهُ حَسَنٌ، وهذا فيهِ استعمالُ الْفَأْلِ.

قالَ ابنُ الْقَيِّمِ: أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الفَأْلَ من الطِّيَرَةِ وهوَ خَيْرُها، فأَبْطَلَ الطِّيَرَةَ، وأَخْبَرَ أنَّ الفَأْلَ منها ولَكِنَّهُ خَيْرٌ منها، ففَصَلَ بينَ الفألِ والطِّيَرَةِ؛ لِمَا بَيْنَهما من الامتيازِ والتَّضَادِّ، ونَفْعِ أحَدِهما ومَضَرَّةِ الآخَرِ، ونَظيرُ هذا: مَنْعُهُ من الرُّقَى بالشرْكِ وإذْنُهُ في الرُّقْيَةِ إذا لم يَكُنْ فيها شِرْكٌ؛ لِمَا فيها من الْمَنفعةِ الخاليَةِ من الْمَفْسَدَةِ.

قولُهُ: (وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا) : قالَ الطِّيبيُّ: تَعْرِيضٌ بأنَّ الكافرَ بخِلافِهِ.

قولُهُ: (اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحسَناتِ إِلَّا أَنْتَ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إِلَّا أَنْتَ) ؛ أيْ: لا تأتي الطِّيَرَةُ بالحَسناتِ ولا تَدْفَعُ المكروهاتِ، بلْ أنتَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لكَ الذي تَأْتِي بالْحَسناتِ، وتَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ، [و (الْحَسَناتُ) هنا: النِّعَمُ، و (السَّيِّئَاتُ) : الْمَصائِبُ، كقولِهِ تعالَى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 78 - 79] ] (1) ، ففيهِ نَفْيُ تَعَلُّقِ القَلْبِ بغيرِ اللَّهِ في جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وهذا هوَ التوحيدُ، وهوَ دُعاءٌ مُناسِبٌ لِمَنْ وَقَعَ في قَلْبِهِ شيءٌ من الطِّيَرَةِ، وتَصريحٌ بأنَّها لا تَجْلُبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضُرًّا، ويُعَدُّ مَن اعْتَقَدَها سَفيهًا مُشْرِكًا.

قولُهُ: (وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ) استعانَةٌ باللَّهِ تعالَى علَى فِعْلِ التَّوَكُّلِ، وعَدَمِ الالتفاتِ إلَى الطِّيَرَةِ التي قدْ تَكونُ سَببًا لوُقوعِ الْمَكْرُوهِ عُقوبةً لفَاعِلِها. وذلكَ الدعاءُ إنَّمَا يَصْدُرُ عنْ حقيقةِ التَّوَكُّلِ الذي هوَ أَقْوَى الأسبابِ في جَلْبِ الْخَيْرَاتِ ودَفْعِ الْمَكْرُوهَاتِ.

والْحَوْلُ والتَّحَوُّلُ: الانتقالُ منْ حالٍ إلَى حالٍ، و (الْقُوَّةُ) علَى ذلكَ باللَّهِ وَحْدَهُ، ففيهِ: التَّبَرِّي من الْحَوْلِ والْقُوَّةِ والْمَشيئةِ بدونِ حَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ ومَشيئتِهِ، وهذا هوَ التوحيدُ في الرُّبُوبِيَّةِ، وهوَ الدليلُ علَى تَوحيدِ الإلَهِيَّةِ الذي هوَ إِفرادُ اللَّهِ تعالَى بجَميعِ أنواعِ العِبادةِ، وهوَ تَوحيدُ الْقَصْدِ والإرادةِ، وقدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذلكَ بِحَمْدِ اللَّهِ.

(7) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَعَنِ ابنِ مسعودٍ مَرْفُوعًا:(( الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، والطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا! وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوكُّلِ ) )، رواهُ أبو دَاوُدَ والتِّرمِذِيُّ وصَحَّحهُ، وجَعَلَ آخِرَهُ مِنْ قَوْلِ ابنِ مَسْعودٍ).

ورواهُ ابنُ مَاجَه وابنُ حِبَّانَ، ولفْظُ أبي دَاوُدَ: (( الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ) )ثَلاثًا، وهذا صَريحٌ في تَحريمِ الطِّيَرَةِ، وأنَّها من الشِّرْكِ؛ لِمَا فيها منْ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ علَى غيرِ اللَّهِ تعالَى.

قالَ ابنُ حَمْدَانَ: تُكْرَهُ الطِّيَرَةُ، وكذا قالَ غيرُهُ منْ أصحابِ أَحْمَدَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت