فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 339

قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: والأَوْلَى القَطْعُ بتَحريمِها؛ لأنَّها شِرْكٌ، وكيفَ يَكونُ الشِّرْكُ مَكروهًا الكراهةَ الاصطلاحِيَّةَ؟

قالَ في (شَرْحِ السُّنَنِ) : وإنما جَعَلَ الطِّيَرَةَ من الشِّرْكِ؛ لأنَّهُم كانوا يَعتقدون أنَّ الطِّيَرَةَ تَجْلِبُ لهم نَفْعًا أوْ تَدْفَعُ عنهم ضَرًّا إذا عَمِلُوا بِمُوجَبِها، فكأنَّهُم أَشْرَكوا معَ اللَّهِ تعالَى.

قولُهُ: (وَمَا مِنَّا إِلَّا) قالَ أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ، والْمُنْذِرِيُّ: في الحديثِ إضمارٌ، التقديرُ: وما مِنَّا إلَّا وقدْ وَقَعَ في قلبِهِ شيءٌ منْ ذلكَ، انتهَى.

وقالَ الخَلْخَالِيُّ: حَذَفَ الْمُسْتَثْنَى لِمَا يَتَضَمَّنُهُ من الحالةِ الْمَكروهةِ؛ وهذا منْ أَدَبِ الكلامِ.

قولُهُ: (وَلكِنَّ اللَّهَ يُذهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ) أيْ: لكن لَمَّا تَوَكَّلْنا علَى اللَّهِ في جَلْبِ النَّفْعِ أودَفْعِ الضُّرِّ أَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنَّا بتَوَكُّلِنا عليهِ وَحْدَهُ.

قولُهُ: (وَجَعَلَ آخِرَهُ مِنْ قَوْلِ ابنِ مَسْعودٍ) قالَ ابنُ القَيِّمِ: وهوَ الصوابِ؛ فإنَّ الطِّيَرَةَ نوعٌ من الشِّرْكِ.

(8) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَمْرٍو: (( مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) )قالُوا: فَما كَفَّارَةُ ذلِكَ؟ قالَ: (( أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ) ).

هذا الحديثُ رواهُ أحمدُ، والطَّبرانيُّ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وفي إسنادِهِ ابنُ لَهيعةَ، وبَقِيَّةُ رجالِهِ ثِقاتٌ.

قولُهُ: (مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَمْرٍو) هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْمِيُّ أبو مُحَمَّدٍ. وقيلَ: أبو عبدِ الرحمنِ، أَحَدُ السابِقينَ الْمُكْثِرِينَ من الصحابةِ، وأَحَدُ العَبَادِلَةِ الفُقَهَاءِ، ماتَ في ذي الْحِجَّةِ ليالي الْحَرَّةِ - علَى الأَصَحِّ - بالطائفِ.

قولُهُ: (مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ) وذلكَ أنَّ الطِّيَرَةَ هيَ التشاؤُمُ بالشيءِ الْمَرْئِيِّ أو المسموعِ، فإذا رَدَّهُ شيءٌ منْ ذلكَ عنْ حَاجَتِهِ التي عَزَمَ عليها كإرادةِ السَّفَرِ ونحوِهِ فمَنَعَهُ عمَّا أرادَهُ وسَعَى فيهِ ما رأَى وما سَمِعَ تَشاؤمًا، فقدْ دَخَلَ في الشِّرْكِ، كما تَقَدَّمَ، فلَمْ يُخْلِصْ تَوَكُّلَهُ علَى اللَّهِ بالْتفاتِهِ إلَى ما سِواهُ، فيكونُ للشيطانِ منهُ نَصيبٌ.

قولُهُ: (فَما كَفَّارَةُ ذلِكَ؟) إلَى آخِرِهِ، فإذا قالَ ذلكَ وأَعْرَضَ عمَّا وَقَعَ في قَلْبِهِ ولم يَلتَفِتْ إليهِ، كَفَّرَ اللَّهُ عنه ما وَقَعَ في قَلْبِهِ ابتداءً؛ لزَوالِهِ عنْ قَلْبِهِ بهذا الدُّعاءِ الْمُتَضَمِّنِ للاعتمادِ علَى اللَّهِ وَحدَهُ، والإعراضِ عمَّا سِوَاهُ.

وتَضَمَّنَ الحديثُ: أنَّ الطِّيَرَةَ لا تَضُرُّ مَنْ كَرِهَها ومَضَى في طريقِهِ، وأَمَّا مَنْ لم يُخْلِصْ تَوَكُّلَهُ علَى اللَّهِ واسْتَرْسَلَ معَ الشيطانِ في ذلكَ، فقدْ يُعاقَبُ بالوقوعِ فيما يَكْرَهُ؛ لأنَّهُ أَعْرَضَ عنْ واجبِ الإيمانِ باللَّهِ، وأنَّ الخيرَ كُلَّهُ بيدِهِ، فهوَ الذي يَجْلِبُهُ لعَبْدِهِ بمشيئتِهِ وإرادتِهِ، وهوَ الذي يَدْفَعُ عنه الضُّرَّ وَحْدَهُ بقُدرتِهِ ولُطْفِهِ وإحسانِهِ، فلا خَيرَ إلَّا منهُ، وهوَ الذي يَدفَعُ الشرَّ عنْ عَبْدِهِ، فما أَصابَهُ منْ ذلكَ فبِذَنْبِهِ، كما قالَ تعالَى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] .

(9) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَهُ مِنْ حَديثِ الفَضْلِ بنِ عبَّاسٍ:(( إِنَّمَا الطِّيرةُ مَا أَمْضاكَ أَوْ رَدَّكَ ) ).

هذا الحديثُ عندَ الإمامِ أحمدَ منْ حديثِ الْفَضْلِ بنِ عَبَّاسٍ قالَ: خَرَجْتُ معَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَبَرَحَ ظَبْيٌ، فَمَالَ فِي شِقِّهِ فَاحْتَضَنْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، تَطَيَّرْتُ، فَقالَ: (( إِنَّمَا الطِّيرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ ) )، وفي إسنادِهِ انقطاعٌ؛ أيْ: بينَ مَسْلَمَةَ رَاوِيهِ وبينَ الْفَضْلِ، وهوَ الْفَضْلُ بنُ العَبَّاسِ بنِ عبدِ الْمُطَّلِبِ ابنِ عمِّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ ابنُ مَعينٍ: قُتِلَ يومَ اليَرْمُوكِ، وقالَ غيرُهُ: قُتِلَ يومَ مَرْجِ الصُّفَّرِ، سنةَ ثلاثَ عشرةَ وهوَ ابنُ اثنتينِ وعشرينَ سَنَةً، وقالَ أبو دَاوُدَ: قُتِلَ بدِمَشْقَ، كان عليهِ دِرْعُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت