فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 339

قولُه: فمِنهم مَن يَنْسِبُه نِسبةَ إيجادٍ. يَدُلُّ على أنَّ بعضَهم كانَ لا يَعتقِدُ ذلك. كما قالَ تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت:63] فَدَلَّ على أنَّ منهم مَن يَعْرِفُ ويُقِرُّ بأنَّ اللَّهَ هو الذي أَوْجَدَ الْمَطَرَ، وقد يَعتقِدُ هؤلاءِ أنَّ للنَّوْءِ فيه شيئًا من التأثيرِ، والقُرطبيُّ في شَرْحِه لم يُصَرِّحْ أنَّ العَرَبَ كلَّهم يَعتَقِدُون ذلك الْمُعْتَقَدَ الذي ذَكَرَه. فلا اعتراضَ عليه بالآيةِ للاحتمالِ المذكورِ.

(10) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَهُما مِنْ حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ بِمَعْناهُ وفِيهِ:(( قالَ بَعْضُهُم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا وَكَذا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة:75 - 82] ) ).

وبِلَفْظِه عن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: (( مُطِرَ الناسُ على عَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ, وَمِنْهُمْ كَافِرٌ ) ). قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ بعضُهم: لقد صَدَقَ نَوْءُ كذا وكذا. قالَ: فنَزَلَتْ هذه الآيةُ: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) ) .

هذا قَسَمٌ من اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بما شاءَ من خَلْقِه على ما شاءَ. وجَوابُ القَسَمِ (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) فتَكونُ (لا) صِلَةً لتأكيدِ النفيِ، فتقديرُ الكلامِ: ليس الأَمْرُ كما زَعَمْتُم في القرآنِ أنه سِحْرٌ أو كَهانةٌ، بل هو قُرآنٌ كريمٌ.

قالَ ابنُ جَريرٍ: قالَ بعضُ أهلِ العَرَبِيَّةِ: معنى قَوْلِهِ (فَلَا أُقْسِمُ) فليس الأَمْرُ كما تَقولون، ثم اسْتُؤْنِفَ القَسَمُ بَعْدُ، فقيلَ: أُقْسِمُ ومَوَاقِعِ النجومِ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي نُجومَ القُرآنِ، فإنه نَزَلَ جُملةً ليلةَ القَدْرِ من السماءِ العُلْيَا إلى السماءِ الدنيا, ثم نَزَلَ مُفَرَّقًا في السِّنينَ بَعْدُ. ثم قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ هذه الآيةَ. ومَوَاقِعُها: نُزُولُها شَيئًا بعدَ شَيْءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَواقِعُ النجومِ مَطالِعُها ومَسَاقِطُها. واختارَه ابنُ جَريرٍ، وعلى هذا فتكونُ الْمُنَاسَبَةُ بينَ الْمُقْسَمِ به والْمُقْسَمِ عليه -وهو القُرآنُ- من وُجوهٍ:

أَحَدُها: أنَّ النُّجومَ جَعَلَها اللَّهُ لِيُهْتَدَى بها في ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ،

وآياتُ القرآنِ يُهْتَدَى بها في ظُلُمَاتِ الْغَيِّ والْجَهْلِ. فتلك هِدايةٌ في الظُّلماتِ الْحِسِّيَّةِ

والقرآنُ هِدايةٌ في الظُّلُماتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فجَمَعَ بينَ الْهِدايتينِ مع ما في النُّجومِ من الزِّينةِ الظاهِرَةِ، وفي القرآنِ من الزينةِ الباطِنَةِ ومع ما في النُّجومِ من الرُّجومِ للشياطينِ، وفي القُرآنِ مِن رُجومِ شياطينِ الإنْسِ والْجِنِّ، والنجومُ آياتُه الْمَشهودةُ العِيَانِيَّةُ، والقُرآنُ آياتُه الْمَتْلُوَّةُ السَّمْعِيَّةُ، مع ما في مَوَاقِعِها عندَ الغُروبِ من العِبْرَةِ والدَّلالةِ على آياتِه القُرآنِيَّةِ ومَواقِعِها عندَ النُّزولِ، ذَكَرَه ابنُ الْقَيِّمِ رَحِمَه اللَّهُ.

وقولُه: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) . قالَ ابنُ كَثيرٍ: أي: وإنَّ هذا الْقَسَمَ الذي أَقْسَمْتُ به لقَسَمٌ عظيمٌ، لو تَعلمونَ عَظَمَتَه لعَظَّمْتُم الْمُقْسَمَ به عليه.

وقولُه: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) هذا هو الْمُقْسَمُ عليه، وهو القرآنُ، أي: وإنه وَحْيُ اللَّهِ وتَنزيلُه وكَلامُه، لا كما يَقولُ الكُفَّارُ: إنه سِحْرٌ أو كَهانةٌ، أو شِعْرٌ. بل هو قُرآنٌ كريمٌ, أي: عَظيمٌ كَثيرُ الْخَيْرِ؛ لأنه كَلامُ اللَّهِ.

قالَ ابنُ الْقَيِّمِ: فوَصَفَه بما يَقْتَضِي حُسْنَه وكَثْرَةَ خَيْرِه ومَنافِعِه وجَلالتَه؛ فإنَّ الكريمَ هو الْبَهِيُّ الكثيرُ الْخَيْرِ العظيمُ النَّفْعِ، وهو من كلِّ شيءٍ أَحْسَنُه وأَفْضَلُه، واللَّهُ سُبحانَه وتعالى وَصَفَ نَفسَه بالْكَرَمِ، ووَصَفَ به كَلامَه، ووَصَفَ به عَرْشَه، ووَصَفَ به ما كَثُرَ خَيرُه وحَسُنَ مَنْظَرُه مِن النَّباتِ وغيرِه، ولذلك فَسَّرَ السلَفُ (( الكريمَ ) )بالْحَسَنِ. قالَ الأزهريُّ: الكريمُ اسمٌ جامعٌ لِمَا يُحْمَدُ، واللَّهُ تعالى كريمٌ جَميلُ الْفِعالِ. وإنه لَقرآنٌ كَريمٌ يُحْمَدُ، لِمَا فيه من الْهُدَى والبيانِ والعِلْمِ والْحِكمةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت