فهرس الكتاب
قولُه: (( سَماءٍ ) )أي: مَطَرٍ؛ لأنه يَنْزِلُ من السَّحابِ، والسماءُ يُطلَقُ على كلِّ ما ارْتَفَعَ.
قولُه: (( فلَمَّا انْصَرَفَ ) )أي: من صَلاتِه، أي: الْتَفَتَ إلى الْمَأْمُومِينَ، كما يَدُلُّ عليه قولُه: (( أَقْبَلَ علَى النَّاسِ ) )ويَحْتَمِلُ أنه أَرادَ السلامَ.
قولُه: (( هَلْ تَدْرونَ ) )لفظُ استفهامٍ ومعناه التنبيهُ. وفي النَّسائيِّ: (( أَلَمْ تَسْمَعوا ما قالَ رَبُّكُمُ اللَّيلَةَ؟ ) )وهذا من الأحاديثِ القُدُسِيَّةِ. وفيه: إلقاءُ العالِمِ المَسْألَةَ على أصحابِه ليَخْتَبِرَهُمْ.
قولُه: (( قَالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ ) )فيه: حُسْنُ الأَدَبِ للمسؤولِ إذا سُئِلَ عمَّا لا يَعْلَمُ أن يَكِلَ العِلْمَ إلى عالِمِه. وذلك يَجِبُ.
قولُه: (( أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي ) )الإضافةُ هنا للعُمومِ بدليلِ التقسيمِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كقولِه تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن:2] .
قولُه: (( مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ) )إذا اعْتَقَدَ أنَّ للنَّوْءِ تأثيرًا في إنزالِ الْمَطَرِ فهذا كُفْرٌ؛ لأنه شِرْكٌ في الرُّبوبيَّةِ, والْمُشْرِكُ كافرٌ. وإن لم يَعْتَقِدْ ذلك فهو من الشرْكِ الأصغرِ؛ لكَوْنِهِ نَسَبَ نِعمةَ اللَّهِ إلى غيرِه، ولأنَّ اللَّهَ لم يَجْعَل النَّوْءَ سَبَبًا لإنزالِ الْمَطَرِ فيه، وإنما هو فَضْلٌ من اللَّهِ ورَحْمَةٌ يَحْبِسُه إذا شاءَ, ويُنْزِلُه إذا شاءَ.
ودَلَّ هذا الحديثُ على أنه لا يَجوزُ لأَحَدٍ أن يُضيفَ أَفعالَ اللَّهِ إلى غيرِه, ولو على سبيلِ الْمَجَازِ. وأيضًا، الباءُ تَحْتَمِلُ مَعَانِيَ، وكلُّها لا تَصْدُقُ بهذا اللفظِ، فليستْ للسَّبَبِيَّةِ ولا للاستعانَةِ، لِمَا عَرَفْتَ من أنَّ هذا باطلٌ. ولا تَصْدُقُ أيضًا على أنها للمُصَاحَبَةِ؛ لأنَّ الْمَطَرَ قد يَجِيءُ في هذا الوقْتِ وقد لا يَجيءُ فيه. وإنما يَجيءُ الْمَطَرُ في الوقتِ الذي أرادَ اللَّهُ مَجِيئَهُ فيه برَحمتِه وحِكْمَتِه وفَضْلِه. فكلُّ مَعْنًى تُحْمَلُ عليه الباءُ في هذا اللفظِ الْمَنْهِيِّ عنه فاسدٌ. فيَظهَرُ على هذا: تحريمُ هذه اللفظةِ مُطْلَقًا لفَسادِ المعنى. وقد تَقَدَّمَ الْقَطْعُ بتَحريمِه في كلامِ صاحبِ الفُروعِ والإنصافِ.
قالَ الْمُصَنِّفُ: (( وفيه التَّفَطُّنُ للإيمانِ في هذا الْمَوْضِعِ ) )يُشيرُ إلى أنه الإخلاصُ.
قولُه: (( فَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ) )فالفَضْلُ والرحمةُ صِفتانِ للَّهِ، ومَذْهَبُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ: أنَّ ما وَصَفَ اللَّهُ به نَفْسَه ووَصَفَه به رسولُه من صِفاتِ الذاتِ: كالحياةِ والعِلْمِ، وصِفاتِ الأفعالِ، كالرَّحْمَةِ التي يَرْحَمُ بها عِبادَه: كلُّها صِفاتٌ للَّهِ قَائمةٌ بذَاتِه، ليستْ قائمةً بغَيْرِه، فتَفَطَّنْ لهذا فقد غَلِطَ فيه طَوائفُ.
وفي هذا الحديثِ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ لا يَجوزُ أن تُضافَ إلا إليه وَحْدَه، وهو الذي يُحْمَدُ عليها، وهذه حالُ أهلِ التوحيدِ.
قولُه: (( وَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وَكَذا ) ). إلى آخِرِه قد تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بذلك. قالَ الْمُصَنِّفُ: (( وفيه: التَّفَطُّنُ للْكُفْرِ في هذا الْمَوْضِعِ ) ).
يُشيرُ أنَّ نِسبةَ النِّعمةِ إلى غيرِ اللَّهِ كُفْرٌ، ولهذا قَطَعَ بعضُ العُلماءِ بتَحريمِه، وإن لم يَعْتَقِدْ تأثيرَ النَّوْءِ في بإنزالِ الْمَطَرِ، فيكونَ مِن كُفْرِ النِّعَمِ؛ لعَدَمِ نِسبتِها إلى الذي أَنْعَمَ بها، ونِسبتِها إلى غيرِه كما سَيأتِي في قولِه تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] .
قالَ القُرطبيُّ في شرْحِ حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ: وكانت العَرَبُ إذا طَلَعَ نَجمٌ من الْمَشرِقِ وسقَطَ آخَرُ من الْمَغْرِبِ فحَدَثَ عندَ ذلك مَطَرٌ أو رِيحٌ، فمِنهم مَن يَنْسِبُه إلى الطالِعِ، ومنهم مَن يَنْسِبُه إلى الغارِبِ؛ نِسبةَ إيجادٍ واختراعٍ، ويُطْلِقونَ ذلك القولَ المذكورَ في الحديثِ. فنَهَى الشارِعُ من إطلاقِ ذلك؛ لئَلَّا يَعْتَقِدَ أَحَدٌ اعتقادَهم ولا يَشْتَبِهَ بِهِم في نُطْقِهم. انتهى.